ثم يقول الحق سبحانه : فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ( ٦٠ )
اصبر على كرههم، واصبر على لددهم وعنادهم، واصبر على إيذائهم لك ولمن يؤمن بك، اصبر على هذا كله ؛ لأن العاقبة في صالحك إن وعد الله حق.. ( ٦٠ ) [ الروم ] وقد وعد الله رسله بالنصرة والغلبة، ووعد الله حق، فتأكد أن النصر آت.
لكن ما دام النصر آتيا، فلماذا هذا الصراع بين المؤمنين والكافرين ؟ ولماذا كل هذه المشقة والعناء في سبيل الدعوة ؟ قالوا : لأن الله تعالى يريد أن يمحص أتباع محمد، وأن يدربهم على مسئولية حمل أمانة الدعوة وشعلة النور من بعد رسول الله، لا إلى أهل الجزيرة العربية وحدها، إنما إلى الكون كله.
فلا بدّ أن يكونوا من أهل الثبات على المبدأ الذين لا تزعزعهم الشدائد، والدليل على ذلك أنهم يؤذون ويضطهدون فيصبرون، وهذه أهم صفة فيمن يعد لتحمل الأمانة.
لذلك نقول : إذا رأيت منهجا أو مبدأ يغدق على أصحابه أولا، فاعلم أنه مبدأ باطل : لأن المبدأ الحق يضحى أهله من أجله بأنفسهم وبأموالهم، يعطونه قبل أن يأخذوا منه، لماذا ؟ لأن صاحب المبدأ الباطل لن يجد من يناصره على باطله إلا إذا أغراهم بالمال أولا واشترى ذممهم، وإلا فماذا يلجئه إلى مبدأ باطل، ويحمله على اتباعه ؟ إذن : لا بد أن يقبض الثمن أولا.
أما المبدأ الحق فيعلم صاحبه أن الثمن مؤجل للآخرة، فهو ممنّى بأشياء فوق هذه الدنيا يؤمن بها ويعمل من أجلها، فتهون عليه نفسه، ويهون عليه ماله في سبيل هذا المبدأ.
وفي رحلة الدعوة، رأينا الكثيرين يتساقطون بالردة عندما تحدث لرسول الله آية أو هزة تهز الناس، وكأن الشدة غربال يميز هؤلاء وهؤلاء، حتى لا يبقى تحت راية لا إله إلا الله إلا الصناديد الأقوياء القادرون على حمل هذا اللواء إلى العالم كله.
فالله يقول لنبيه : اصبر على تكذيبهم وعلى إنكارهم وعلى ائتمارهم عليك، فنحن مؤيدوك، ولن نتخلى عنك، وقد وضح لك هذا التأييد حين جاهروك فانتصرت على جهرهم وبيتوا لك في الخفاء فانتصرت على تبييتهم، واستعانوا حتى بالجن ليفسدوا عليك أمرك، ففضح الله تدبيرهم ونجاك منهم.
إذن : فاطمئن، فنحن لهم بالمرصاد، ولن نسلمك أبدا، بل وسوف نريك فيهم ما يستحقون من العقاب في الدنيا، وتراه بعينك، أو في الآخرة بعد موتك : فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون ( ٧٧ ) [ غافر ].
ومن هذا العقاب الذي نزل بهم في الدنيا ورآه سيدنا رسول الله ما حاق بهم يوم بدر من قتل وأسر وتشريد، وقلنا : إن عمر رضي الله عنه وما أدراك ما عمر، فقد كان القرآن ينزل على وفق رأيه، ومع ذلك لما نزلت : سيهزم الجمع ويولون الدبر ( ٤٥ ) [ القمر ] تعجب وقال : أيّ جمع هذا الذي سيهزم، ونحن عاجزون حتى عن حماية أنفسنا، فلما كانت بدر، ورأى ما رأى قال : صدق الله سيهزم الجمع ويولون الدبر ( ٤٥ ) [ القمر ].
وقوله تعالى : إن وعد الله حق... ( ٦٠ ) [ الروم ] الوعد : هو البشارة بخير لم يأت زمنه الآن، وفرق بين الوعد بالخير من إنسان، والوعد من الله تعالى، فوعدك قد يتخلف لأنك ابن أغيار، ولا تملك كل عناصر الوفاء بالوعد، وربما جاء وقت الوفاء فلم تقدر عليه أو تتغير نفسك من ناحيته فتبخل عليه، أو تراه لا يستحق.. إلخ.
إذن : الأغيار التي تنتابك أو تنتابه أو تنتاب قيمة ما تؤديه من الخير موجودة، وقد تحول بينك وبين الوفاء بما وعدت.
لذلك يعلمنا الحق سبحانه أن نحتاط لهذا الأمر، فيقول سبحانه : ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا ( ٢٣ ) إلا أن يشاء الله.. ( ٢٤ ) [ الكهف ] فاربط فعلك بمشيئة الله التي تيسر لك الفعل، ولا ينبغي أن تجزم بشيء أنت لا تملك شيئا من أسبابه.
قلنا : هب أنك قلت : سألقاك غدا في المكان الفلاني، وسأعطيك كذا وكذا، فأنت قلت هذه المقولة ووعدت هذا الوعد وأنت لا تضمن أن تعيش لغد، ولا تضمن أن يعيش صاحبك، وإن عشتما لغد فقد يتغير رأيك، أو يصيبك شيء يعوقك عن الوفاء، إذن : فقولك إن شاء الله يحميك أن توصف بالكذب في حالة عدم الوفاء ؛ لأنك وعدت ولم يشأ الله، فلا دخل لك في الأمر.
فالوعد الحق يأتي ممن ؟ من الذي يملك كلّ أسباب الوفاء، ولا يمنعه عنه مانع.
وقوله تعالى : ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ( ٦٠ ) [ الروم ] خف الشيء : لم يعد له ثقل، واستخف غيره : طلب منه أن يكون خفيفا، فمثلا حين تقسو على شخص يأتي آخر فيقول لك : خف عنه. واستخفه مثل استفزه يعني : حرّكه وذبذبه من ثباته، فإن كان قاعدا مثلا هبّ واقفا.
لذلك نقول في مثل هذه المواقف ( خليك ثقيل.. فلان بيستفزك يعني : يريد أن يخرجك عن حلمك وثباتك.. متبقاش خفيف.. إلخ ) ونقول للولد ( فز ) يعني قف انهض، ومنه قوله تعالى واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك١.. ( ٦٤ ) [ الإسراء ].
إذن : فالمعنى استخفه : حمله على الخفة وأن يتحول عن الثبات الذي هو عليه.
فالمعنى : إياك يا محمد أن يستفزك القوم، أو يخرجوك عن ثباتك، فتتصادم معهم، لكن ظلّ على ثباتك في دعوتك ولا تقلق ؛ لأن الله وعدك بالنصرة ووعد الله حق. والحق سبحانه ساعة يرخي العنان لمن كفر به إنما يريد أن يخرج كل ما عندهم حتى لا يبقى لهم عذر، ثم يقابلهم ببعض ما عنده مما يستحقون في الدنيا، والباقي سيرونه في الآخرة.
والله يقول : ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ( ١٧١ ) إنهم لهم المنصورون ( ١٧٢ ) وإن جندنا لهم الغالبون ( ١٧٣ ) [ الصافات ].
ومن سيرة الإمام على رضى الله عنه وكرم الله وجهه علمنا أنه ابتلى بجماعتين : الخوارج الذين يكفرونه، والشيعة الذين يؤلهونه ويصلون به إلى درجة النبوة، حتى صدق فيه قول رسول الله : " هلك فيك اثنان : محب غال، ومبغض قال٢ " ٣.
ويروى٤ أنه رضي الله عنه كان يصلي يوما الفجر بالناس، فلما قرأ :( ولاالضالين ) اقترب منه أحد الخوارج وقرأ : ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ( ٦٥ ) [ الزمر ] يريد أن يقول له : أنت كافر ولن يقبل منك عملك.
وسرعان ما فطن على لما أراده الرجل، فقرأ بعدها مباشرة : فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ( ٦٠ ) [ الروم ] يعني : لن تخرجني عن ثباتي وحلمي ولن تستفزني.
والعظمة في هذا الموقف أن يرد على لتوه بالقول الشافي من كتاب الله دون سابق إعداد أو ترتيب، ولم لا، وهو علي بن أبي طالب الذي أوتي باعا طويلا في البلاغة والفصاحة والحجة.
ومعنى : الذين لا يوقنون ( ٦٠ ) [ الروم ] من اليقين، وهو الإيمان الثابت الذي لا يتزعزع، فيصير عقيدة في القلب لا تطفو إلى العقل لتناقش من جديد.
٢ القلى: البغض. قال ابن سيده: قليته قلى وقلاء: أبغضته وكرهته غاية الكراهة فتركته. [لسان العرب ـ مادة: قلى]..
٣ عن علي بن أبي طالب قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إن فيك مثلا من عيسى أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه، وأحبته النصارى حتى أنزلوه بالمنزل الذي ليس به، ألا وإنه يهلك في اثنان: محب مفرط يقرظني بما ليس فيّ، ومبغض يحمله شنآنى على أن يبهتني، ألا وإني لست بنبي ولا يوحي إليّ، ولكني أعمل بكتاب الله وسنة نبيه ما استطعت) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/١٣٣) وعزاه للبراز وأبى يعلى الموصلي..
٤ أورده ابن كثير في تفسيره (٣/٤٤٠) من عدة طرق:
ـ من طريق قتادة. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
ـ من طريق على بن ربيعة. رواه ابن جرير.
ـ من طريق أبي يحى. رواه ابن أبي حاتم..
تفسير الشعراوي
الشعراوي