[سُورَة الرّوم (٣٠) : آيَة ٦٠]
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)الْأَمْرُ لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّبْرِ تَفَرَّعَ عَلَى جُمْلَةِ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ [الرّوم: ٥٨] لِتَضَمُّنِهَا تَأْيِيسَهُ مِنْ إِيمَانِهِمْ. وَحَذْفُ مُتَعَلِّقِ الْأَمْرِ بِالصَّبْرِ لِدَلَالَةِ الْمَقَامِ عَلَيْهِ، أَيِ اصْبِرْ عَلَى تَعَنُّتِهِمْ.
وَجُمْلَةُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ تَعْلِيلٌ لِلْأَمْرِ بِالصَّبْرِ وَهُوَ تَأْنِيسٌ لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَحْقِيقِ وَعْدِ اللَّهِ مِنَ الِانْتِقَامِ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ وَمِنْ نَصْرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
وَالْحَقُّ: مَصْدَرُ حَقَّ يُحِقُّ بِمَعْنَى ثَبَتَ، فَالْحَقُّ: الثَّابِتُ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَا مُبَالَغَةَ.
وَالِاسْتِخْفَافُ: مُبَالَغَةٌ فِي جَعْلِهِ خَفِيفًا فَالسِّينُ وَالتَّاءُ لِلتَّقْوِيَةِ مِثْلُهَا فِي نَحْو: اسْتَجَابَ وَاسْتَمْسَكَ، وَهُوَ ضِدُّ الصَّبْرِ. وَالْمَعْنَى: لَا يَحْمِلَنَّكَ عَلَى تَرْكِ الصَّبْرِ. وَالْخِفَّةُ مُسْتَعَارَةٌ
لِحَالَةِ الْجَزَعِ وَظُهُورِ آثَارِ الْغَضَبِ. وَهِيَ مِثْلُ الْقَلَقِ الْمُسْتَعَارِ مِنِ اضْطِرَابِ الشَّيْءِ لِأَنَّ آثَارَ الْجَزَعِ وَالْغَضَبِ تُشْبِهُ تَقَلْقُلَ الشَّيْءِ الْخَفِيفِ، فَالشَّيْءُ الْخَفِيفُ يَتَقَلْقَلُ بِأَدْنَى تَحْرِيكٍ، وَفِي ضِدِّهِ يُسْتَعَارُ الرُّسُوخُ وَالتَّثَاقُلُ. وَشَاعَتْ هَذِهِ الِاسْتِعَارَاتُ حَتَّى سَاوَتِ الْحَقِيقَةَ فِي الِاسْتِعْمَالِ.
وَنَهْيُ الرَّسُولِ عَنْ أَنْ يَسْتَخِفَّهُ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ نَهْيٌ عَنِ الْخِفَّةِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَحْدُثَ لِلْعَاقِلِ إِذَا رَأَى عِنَادَ مَنْ هُوَ يُرْشِدُهُ إِلَى الصَّلَاحِ، وَذَلِكَ مِمَّا يَسْتَفِزُّ غَضَبَ الْحَلِيمِ، فَالِاسْتِخْفَافُ هُنَا هُوَ أَنْ يُؤَثِّرُوا فِي نَفْسِهِ ضِدَّ الصَّبْرِ، وَيَأْتِي قَوْلُهُ تَعَالَى فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ فِي سُورَةِ الزُّخْرُفِ [٥٤]، فَانْظُرْهُ إِكْمَالًا لِمَا هُنَا. وَأَسْنَدَ الِاسْتِخْفَافَ إِلَيْهِمْ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ لِأَنَّهُمْ سَبَبُهُ بِمَا يَصْدُرُ مِنْ عِنَادِهِمْ.
والَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ: هُمُ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمُ الصِّفَاتُ الْمُتَقَدِّمَةُ مِنَ صفحة رقم 135
الْإِجْرَامِ، وَالظُّلْمِ، وَالْكُفْرِ، وَعَدَمِ الْعِلْمِ فَهُوَ إِظْهَارٌ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ لِلتَّصْرِيحِ بِمَسَاوِيهِمْ.
قِيلَ: كَانَ مِنْهُمُ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ. وَمَعْنَى لَا يُوقِنُونَ أَنَّهُمْ لَا يُوقِنُونَ بِالْأُمُورِ الْيَقِينِيَّةِ، أَيِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْهَا الدَّلَائِلُ الْقَطْعِيَّةُ فَهُمْ مُكَابِرُونَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
٣١- سُورَةُ لُقْمَانَسَمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِإِضَافَتِهَا إِلَى لُقْمَانَ لِأَنَّ فِيهَا ذِكْرَ لُقْمَانَ وَحِكْمَتِهِ وَجُمَلًا مِنْ حِكْمَتِهِ الَّتِي أَدَّبَ بِهَا ابْنَهُ. وَلَيْسَ لَهَا اسْمٌ غَيْرَ هَذَا الِاسْمِ، وَبِهَذَا الِاسْمِ عُرِفَتْ بَيْنَ الْقُرَّاءِ وَالْمُفَسِّرِينَ. وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَصْرِيحٍ بِهِ فِيمَا يُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَنَدٍ مَقْبُولٍ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي «دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ لُقْمَانَ بِمَكَّةَ. وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي أَشْهَرِ قَوْلَيْهِ وَعَلَيْهِ إِطْلَاقُ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ النَّحَاسِ اسْتِثْنَاءُ ثَلَاثِ آيَاتٍ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ إِلَى قَوْلِهِ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [لُقْمَان: ٢٧- ٢٩]. وَعَنْ قَتَادَةَ إِلَّا آيَتَيْنِ إِلَى قَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [لُقْمَان: ٢٨]. وَفِي «تَفْسِيرِ الْكَوَاشِيِّ» حِكَايَةُ قَوْلِ إِنَّهَا مَكِّيَّةٌ عَدَا آيَةً نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ وَهِيَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [لُقْمَان: ٤] قَائِلًا لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ. وَرَدَّهُ الْبَيْضَاوِيُّ عَلَى تَسْلِيمِ ذَلِكَ بِأَنَّ فَرْضَهَا بِالْمَدِينَةِ لَا يُنَافِي تَشْرِيعَهَا بِمَكَّةَ عَلَى غير إِيجَاب. والمحققون يَمْنَعُونَ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاة وَالزَّكَاة ففرضتا بِالْمَدِينَةِ فَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلَا رَيْبَ فِي أَنَّهَا فُرِضَتْ عَلَى الْجُمْلَةِ بِمَكَّةَ، وَأَمَّا الزَّكَاةُ فَفُرِضَتْ بِمَكَّةَ دُونَ تَعْيِينِ أَنْصِبَاءٍ وَمَقَادِيرَ، ثُمَّ عُيِّنَتِ الْأَنْصِبَاءُ وَالْمَقَادِيرُ بِالْمَدِينَةِ.
وَيَتَحَصَّلُ مِنْ هَذَا بِأَن الْقَائِلَ بِأَنَّ آيَةَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ إِلَى آخِرِهَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ قَالَهُ مِنْ قِبَلِ رَأْيِهِ وَلَيْسَ لَهُ سَنَدٌ يُعْتَمَدُ كَمَا يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ إِلَخْ. ثُمَّ هُوَ يَقْتَضِي أَنْ يكون صدر السُّورَة النَّازِلِ بِمَكَّةَ هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ [لُقْمَان:
٣] أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [لُقْمَان: ٥] إِلَخْ ثُمَّ أَلْحَقَ بِهِ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [لُقْمَان: ٤]. صفحة رقم 137
وَأَمَّا الْقَوْلُ بِاسْتِثْنَاءِ آيَتَيْنِ وَثَلَاثٍ فَمُسْتَنِدٌ إِلَى مَا
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ وَعَنْ سَعِيدِ
ابْن جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ [لُقْمَان:
٢٧] إِلَى آخَرِ الْآيَتَيْنِ أَوِ الثَّلَاثِ نَزَلَتْ بِسَبَبِ مُجَادَلَةٍ كَانَتْ مِنَ الْيَهُودِ أَنَّ أَحْبَارَهُمْ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الْإِسْرَاء: ٨٥] إِيَّانَا تُرِيدُ أَمْ قَوْمَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُلًّا أَرَدْتُ. قَالُوا: أَلَسْتَ تَتْلُو فِيمَا جَاءَكَ أَنَّا قَدْ أُوتِينَا التَّوْرَاةَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهَا فِي عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ
الْآيَاتِ. وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ بِأَسَانِيدَ ضَعِيفَةٍ وَعَلَى تَسْلِيمِهَا فَقَدْ أُجِيبُ بِأَنَّ الْيَهُودَ جَادَلُوا فِي ذَلِكَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ بِأَنْ لَقَّنُوا ذَلِكَ وَفْدًا مِنْ قُرَيْشٍ وَفَدَ إِلَيْهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَهَذَا أَقْرَبُ لِلتَّوْفِيقِ بَيْنَ الْأَقْوَالِ. وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ثَابِتَةٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَّا أَنَّ مِثْلَ هَذَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالْمَقْبُولِ فِي الْجُمْلَةِ. قَالَ أَبُو حَيَّانَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ أَنَّ قُرَيْشًا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قِصَّةِ لُقْمَانَ مَعَ ابْنِهِ، أَيْ سَأَلُوهُ سُؤَالَ تَعَنُّتٍ وَاخْتِبَارٍ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو حَيَّان يُؤَيّدهُ تَصْدِيرَ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ [لُقْمَان: ٦].
وَهَذِهِ السُّورَةُ هِيَ السَّابِعَةُ وَالْخَمْسُونَ فِي تَعْدَادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الصَّافَّاتِ وَقَبْلَ سُورَةِ سَبَأٍ. وَعُدَّتْ آيَاتُهَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ فِي عَدِّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ، وَأَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ فِي عَدِّ أَهَّلِ الشَّامِ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ.
أَغْرَاضُ هَذِهِ السُّورَةِ
الْأَغْرَاضُ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهَا هَذِهِ السُّورَةُ تَتَّصِلُ بِسَبَبِ نُزُولِهَا الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ سَأَلُوا عَنْ قِصَّةِ لُقْمَانَ وَابْنِهِ، وَإِذَا جَمَعْنَا بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ [لُقْمَان: ٦] مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ إِذْ كَانَ يُسَافِرُ إِلَى بِلَادِ الْفُرْسِ فَيَقْتَنِي كُتُبَ قِصَّةِ إِسْفِنْدِيَارَ وَرُسْتَمَ وَبَهْرَامَ، وَكَانَ يَقْرَؤُهَا عَلَى قُرَيْشٍ وَيَقُولُ: يُخْبِرُكُمْ مُحَمَّدٌ عَنْ عَادٍ وَثَمُودَ وَأُحَدِّثُكُمْ أَنَا عَنْ رُسْتَمَ وَإِسْفِنْدِيَارَ وَبَهْرَامَ فَصُدِّرَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِالتَّنْوِيهِ بِهَدْيِ الْقُرْآنِ لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهُ لَا
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
محمد الطاهر بن عاشور