قوله :«إِذْ جَاؤُوكُمْ » بدل من «إذْ » الأولى١، والحناجر جمع «حَنْجَرَةٍ » وهي رأس الغَلْصَمَةِ والغَلْصَمَة منتهى الحُلْقُومِ، والحلقوم مجرى الطعام والشراب، وقيل : الحلقوم مَجْرَى النفس والمريء الطعام والشراب وهو تحت الحلقوم٢ وقال الرَّاغِبُ٣ : رَأْسُ الغَْلصَمَةِ من خارج٤.
قوله :«الظُّنُونا » قرأ نافع وابن عامر وأبو بكر بإثبات ألف بعد نون «الظُّنُون » ولام الرسول في قوله : وَأَطَعْنَا الرسولا [ الأحزاب : ٦٦ ] ولام السبيل في قوله : فَأَضَلُّونَا السبيلا [ الأحزاب : ٦٧ ] وصلاً وَوَقْفاً موافقة للرسم٥ ؛ لأنهن رسمن في المصحف كذلك وأيضاً فإن هذه الألف تشبه هاء السكت لبيان الحركة، وهاء السكت تثبت وَقْفاً للحاجة إليها وقد ثبتت وصلاً إجراءً للوصل مُجْرَى الوقف كما تقدم في البقرة والأنعام فكذلك هذه الألف، وقرأ أبو عمرو وحمزةُ بحذفها في الحالين٦ ؛ لأنها لا أصل لها وقولهم : أجريت الفواصل مُجْرَى القوافي غير معتدٍّ به لأن القوافيَ٧ يلتزم الوقف عليها غالباً، والفواصل لا يلزم ذلك فيها فلا تُشَبَّهُ بها، والباقون بإثباتها وقفاً وحذفها وصلاً إجراء للفواصل مُجْرَى القوافي في ثبوت ألف الإطلاق٨ كقوله :
| ٤٠٦٩ - اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِالوَفَاءِ وَبِالعَدْلِ | وَوَلَّى المَلاَمَةَ الرَّجُلاَ٩ |
| ٤٠٧٠ - أَقِلِّي اللَّوْمَ عَاذِلَ وَالعِتَابَا | وَقُولِي إِنْ أَصَبْتُ لَقَدْ أَصَابَا١٠ |
فصل :
المعنى إذْ جَاؤُوكُمْ من فوقكم أي من فوق الوادي من قبل المَشْرِق١٢ وهم «أَسَدٌ »، وغَطَفَان عليهم مالكُ بن عَوْف النَّضرِيّ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْن الفزَاريّ في١٣ ألفٍ من غَطَفَانَ ومنهم طلحةُ بن خُوَيْلد الأسَدِيّ في بني أسد، وحُيَيّ بن أَخْطَبَ في يهودِ بني قُرَيْظَةَ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ أي من بطن الوادي من قِبَلِ المَغْرب وهم قُرَيْشٌ وكِنَانَةُ عليهم أبُو سُفْيَانَ بنُ حَرْبٍ ومن معه وأبو الأعور بن سُفْيَانَ السُّلَمِي من قبل الخندق، وكان الذي جر غزوة الخندق فيما قيل إجلاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بَنِي النَّضِير من ديارهم وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار مالت وشَخِصَتْ١٤ من الرعب، وقيل : مالت١٥ عن كل شيء فلم تنظر إلا إلى عدوها وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر فزالت عن أماكنها حتى بلغت الحُلُوق من الفَزَع، وهذا على التمثيل عبر به عن شدة الخوف١٦. قال الفراء معناه أنهم جَبنُوا١٧، وسبيل الجَبَان إذا اشتد خوفه أن تَنْتَفِخَ رِئَتُهُ فإذا انتفخت الرئة رفعت القلب إلى الحنجرة ولهذا يقال للجبان : انتفخ سحره ؛ لأن القلب١٨ عند الغضب يندفع وعند الخوف يجتمع فيتقلص بالحنجرة١٩ وقد يفضي إلى أن يَسُدَّ مخرج النفس فلا يقدر المرء ( أن ) يتنفس ويموت من الخوف. وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا وهو اختلاف الظنون، فظن المنافقون استئصال محمد وأصحابه وظن المؤمنون النصر والظفر لهم.
فإن قيل : المَصْدَرُ لا يُجْمَعُ فما الفائدة من جمع الظنون ؟.
فالجواب : لا شك أنه منصوب على المصدر ولكن الاسم قد يجعل٢٠ مصدراً كما يقال :«ضَرَبْتُهُ سِيَاطاً » و «أَدَّبْتُهُ مِرَاراً » فكأنه قال : ظَنَنْتُمْ ظَنّاً٢١ جاز أن يكونوا مصيبين فإذا قال : ظُنُوناً بين أن فيهم من كان ظنه كاذباً لأن الظنون قد تكذب كلها، وقد تكذب بعضها إذا كانت في أمر واحد كما إذا رأى جمع جسماً من بعيد فظنه بعضهم أنه زيدٌ، وآخرونَ أنه عمرو، وآخرون أنه بكرٌ، ثم ظهر لهم الحق قد يكونون كلهم مخطئين والمرئي شجر أو حجر، وقد يكون أحدهم مصيباً ولا يمكن أن يكونوا كلهم مُصِيبِين في ظنونهم، فقوله :«الظُّنون » أفادنا أن فيهم من أخطأ الظن، ولو قال : تظنون بالله ظناً ما كان يفيد٢٢ هذا، والألف واللام في «الظنون » يمكن أن تكون للاستغراق مبالغة بمعنى تظنون كل ظن، ولأن عند الأمر العظيم كل أحد يظن شيئاً، ويمكن أن تكون الألف واللام للعهد أي ظنونهم المعهودة ؛ لأن المعهود من المؤمن ظن الخير٢٣ بالله كما قال عليه ( الصلاة٢٤ و ) السلام :«ظُنُّوا باللَّهِ خَيْراً »٢٥ ومن الكافر الظن السوء كقوله تعالى : ذَلِكَ ظَنُّ الذين كَفَرُوا [ ص : ٢٧ ] وقوله : إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن [ الأنعام : ١٤٨ ].
٢ ذكره أيضاً في الدر المصون ٤/٣٦٧ والقرطبي ١٤/١٤٥..
٣ تقدم..
٤ ينظر: المفردات ١٣٣..
٥ انظر الإتحاف ٣٥٣ والسبعة ٥١٩ و ٩٢٠ وإبراز المعاني ٦٤٥ و ٦٤٦ والنشر ٢/٣٤٧ وحجة ابن خالويه ٢٨٩..
٦ المراجع السابقة..
٧ في "ب" يلزم..
٨ ذكره في الدر المصون ٤/٣٧٨..
٩ البيت من المنسرح وهو للأعشى وهو فيه يخبرنا أن الكمال لله وحده بينما النقص صفة من صفات الإنسان تعالى الله عنه علواً كبيراً. والبيت شاهد على ألف الإطلاق في "الرَّجُلا" فكان بالإمكان أن يقول: "الرجل" ولكنه أطلق وهنا يصحّ وكثير في كلامهم الشّعْريّ وانظر: إبراز المعاني ٦٤٦ وديوانه ١٧٠..
١٠ من مشهور الأبيات الشعرية وهو من تمام الوافر، لجرير وقوله: "عاذل" مرخم "عاذلة" علماً، والشاهد: "أصابا، والعتابا" بألف أطلقت ناشئة عن إشباع فتحة الباء، وذلك- كما قلت- كثيرٌ في الشعر ويروى: العتابن، وأصَابَنْ، وعليه فلا شاهد فيه حينئذ. فالألف قد أبدلت نوناً وهو المسمى التنوين الغالي. وانظر: الكتاب ٤/٢٠٥ و ٢٠٨ والمقتضب ١/٣٧٥ والخصائص ١/١٧١ و ٢/٩٦ والإنصاف ٦٥٥ وابن يعيش ٤/١١٥ و ١٤٥ و ٩/٢٩، والخزانة ١/٦٩، ٧٤، وديوانه ٨٩..
١١ انظر: الدر المصون ٤/٣٦٨..
١٢ انظر: القرطبي ١٤/١٤٤..
١٣ في "ب" من..
١٤ قال ابن قتيبة في غريب القرآن ٣٤٨: "عدلت" وانظر: القرطبي ١٤/١٤٤ و ١٤٥..
١٥ المرجع السابق..
١٦ وقيل: هو على معنى المبالغة على مذهب العرب على إضمار "كاد" قال:
| إذا غضبنا غضبةً مُضربَّةً | هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما |
١٧ في المعاني ٢/٣٣٦ ذكر أن الرجل منهم كانت تنتفخ رئته حتى ترفع قلبه إلى حنجرته من الفزع..
١٨ نقله الفخر الرازي في تفسيره ٢٥/١٩٨..
١٩ في الفخر فيتقلص فيلتصق..
٢٠ في "ب" يحصل..
٢١ في تفسير الرازي: ظننتم ظناً بعد ظن أي ما ثبتم على ظن فالفائدة هي أن الله تعالى لو قال: تظنون ظناً جاز.....
٢٢ انظر: تفسير الرازي ٢٥/١٩٨، ١٩٩..
٢٣ السابق..
٢٤ زيادة من "ب"..
٢٥ لم أعثر عليه بصيغته هذه في الكتب المعتمدة للحديث وقد نقله الفخر الرازي ٢٥/١٩٨..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود