ولو دُخِلَت عليهم مدينتهم، أو : بيوتهم. من قولك : دخلت على فلان داره. من أَقْطارها ، من جوانبها، أي : ولو دَخلت هذه العساكر المتحزبة - التي يفرَّون ؛ خوفاً منها - مدينتَهم، أو بيوتهم، من نواحيها كلها ؛ ناهبين سارقين، ثم سُئِلوا ؛ عند ذلك الفزع، الفتنةَ أي : الردة والرجعة إلى الكفر ومقاتلة المسلمين، أو : القتال في العصبية، وهو أحسن ؛ لأنهم مسلمون، لأتوها ؛ لجاؤوها وفعلوا. ومَن قرأ بالمد فمعناه : لأعطوها من أنفسهم، وما تلبثوا بها ؛ بإجابتها وإعطائها، أي : ما احتبسوا عنها إلا يسيراً ، أو : ما لبثوا بالمدينة، بعد ارتدادهم، إلا زماناً يسيراً، ثم يهلكهم الله ؛ لأن المدينة كالكير ؛ تنفي خبثها، وينصع طيبها، والمعنى أنهم يتعلّلون بإعوار بيوتهم ؛ ليفرُّوا عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وعن مصافة الأحزاب الذين ملأوهم رُعباً، وهؤلاء الأحزاب كما هم ؛ لو سألوهم أن يقاتلوا ؛ فتنة وعصبية ؛ لأجابوهم، وما تعلّلوا بشيء، وما ذلك إلا لضعف إيمانهم، والعياذ بالله.
الإشارة : وإذ قالت طائفة من شيوخ التربية لأهل الفناء : لا مقام تقفون معه ؛ إذ قد قطعتم المقامات، حين تحققتم بمقام الفناء، فارجعوا إلى البقاء ؛ لتقوموا بآداب العبودية، وتنزلون في المقامات ثم ترحلون عنها، كما تنزل الشمس في بروجها، فكل وقت يبرز فيه ما يقتضي النزول إلى مقامه. فتارة يبرز ما يقتضي التوبة، وتارة ما يقتضي الخوف والهيبة، أي : خوف القطيعة، وتارة ما يقتضي الرجاء والبسط، وتارة ما يقتضي الشكر، وتارة الصبر، وتارة ما يقتضي الرضا والتسليم، وتارة ما يهيج المحبة أو المراقبة أو المشاهدة. وهكذا ينزل في المقامات ويرحل عنها، ولا يقيم في شيء منها. ويستأذن بعض المريدين في الرجوع إلى مقامات الإيمان أو الإسلام، أو شيء من أمور البدايات، يقولون : إن بيوت تلك المقامات لم نُتقنها، بل فيها عورة وخلل، وما هي بعورة، ما يريدون إلا فراراً من ثِقَل أعباء الحضرة. ولو دُخلت بيوت قلوبهم من أقطارها، ثم سئلوا الرجوع إلى الدنيا لأتوها ؛ لأنها قريبةُ عَهْدٍ بتركها، وما تلبّثوا بها إلا زماناً يسيراً، بل يبغتهم الموت، ويندمون، قل متاع الدنيا قليل، والآخرة خير لمَن اتقى.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي