ﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓ

أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ أي بخلاء عليكم لا يعاونوكم بحفر الخندق، ولا بالنفقة في سبيل الله، قاله مجاهد وقتادة. وقيل : أشحة بالقتال معكم. وقيل : بالنفقة على فقرائكم ومساكينكم. وقيل : أشحة بالغنائم إذا أصابوها. قاله السديّ. وانتصابه على الحال من فاعل يأتون . أو من المعوقين . وقال الفراء : يجوز في نصبه أربعة أوجه : منها النصب على الذم، ومنها بتقدير فعل محذوف، أي يأتونه أشحة. قال النحاس : ولا يجوز أن يكون العامل فيه للمعوقين ولا القائلين ؛ لئلا يفرق بين الصلة والموصول.
فَإِذَا جَاء الخوف رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ أي تدور يميناً وشمالا، ً وذلك سبيل الجبان إذا شاهد ما يخافه كالذي يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت أي كعين الذي يغشى عليه من الموت، وهو الذي نزل به الموت وغشيته أسبابه، فيذهل ويذهب عقله، ويشخص بصره فلا يطرف، كذلك هؤلاء تشخص أبصارهم لما يلحقهم من الخوف، ويقال للميت إذا شخص بصره : دارت عيناه، ودارت حماليق عينيه، والكاف نعت مصدر محذوف فَإِذَا ذَهَبَ الخوف سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ يقال : سلق فلان فلاناً بلسانه : إذا أغلظ له في القول مجاهراً. قال الفراء : أي : آذوكم بالكلام في الأمن بألسنة سليطة ذربة. ويقال : خطيب مسلاق ومصلاق : إذا كان بليغاً، ومنه قول الأعشى :
فيهم المجد والسماحة والنج *** دة فيهم والخاطب السلاق
قال القتيبي : المعنى آذوكم بالكلام الشديد، والسلق الأذى، ومنه قول الشاعر :
ولقد سلقت هوازنا *** بنو أهل حتى انحنينا
قال قتادة : معنى الآية : بسطوا ألسنتهم فيكم في وقت قسمة الغنيمة يقولون : أعطنا فإنا قد شهدنا معكم. فعند الغنيمة أشحّ قوم وأبسطهم لساناً، ووقت البأس أجبن قوم وأخوفهم. قال النحاس : وهذا قول حسن، وانتصاب أَشِحَّةً عَلَى الخير على الحالية من فاعل سلقوكم ، ويجوز أن يكون نصبه على الذمّ.
وقرأ ابن أبي عبلة برفع أشحة ، والمراد هنا : أنهم أشحة على الغنيمة يشاحون المسلمين عند القسمة، قاله يحيى بن سلام. وقيل : على المال أن ينفقوه في سبيل الله. قاله السديّ. ويمكن أن يقال معناه : أنهم قليلو الخير من غير تقييد بنوع من أنواعه، والإشارة بقوله : أولئك إلى الموصوفين بتلك الصفات لَمْ يُؤْمِنُواْ إيماناً خالصاً بل هم منافقون، يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر فَأَحْبَطَ الله أعمالهم أي أبطلها بمعنى أظهر بطلانها لأنها لم تكن لهم أعمال تقتضي الثواب حتى يبطلها الله. قال مقاتل : أبطل جهادهم لأنه لم يكن في إيمان وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً أي وكان ذلك الإحباط لأعمالهم، أو كان نفاقهم على الله هيناً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله : سَلَقُوكُم قال : استقبلوكم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً قال : هيناً. وأخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر وابن النجار عن عمر في قوله : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ قال : في جوع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد استدلّ بهذه الآية جماعة من الصحابة في مسائل كثيرة اشتملت عليها كتب السنة، وهي خارجة عما نحن بصدده. وأخرج ابن جرير وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله : وَلَمَّا رَأَى المؤمنون الأحزاب إلى آخر الآية قال : إن الله قال لهم في سورة البقرة : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البأساء والضراء [ البقرة : ٢١٤ ] فلما مسهم البلاء حيث رابطوا الأحزاب في الخندق وقَالُواْ هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ فتأوّل المسلمون ذلك، فلم يزدهم إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيماً .
وأخرج البخاري وغيره عن أنس قال : نرى هذه الآية نزلت في أنس بن النضر : مّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ . وأخرج ابن سعد وأحمد ومسلم والترمذي والنسائي، والبغوي في معجمه، وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن أنس قال : غاب عمي أنس بن النضر عن بدر فشق عليه وقال : أوّل مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه، لئن أراني الله مشهداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بعد، ليرينّ الله ما أصنع، فشهد يوم أحد، فاستقبله سعد بن معاذ فقال : يا أبا عمرو وأين ؟ قال : واهاً لريح الجنة أجدها دون أحد، فقاتل حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية، ونزلت هذه الآية : رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ وكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه.
وقد روي عنه نحوه من طريق أخرى عند الترمذي وصححه والنسائي وغيرهما. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من أحد مرّ على مصعب بن عمير وهو مقتول فوقف عليه ودعا له، ثم قرأ : مّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ الآية، ثم قال :«أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله فأتوهم وزوروهم، والذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردّوا عليه»، وقد تعقب الحاكم في تصحيحه الذهبي، كما ذكر ذلك السيوطي، ولكنه قد أخرج الحاكم حديثاً آخر وصححه. وأخرجه أيضاً البيهقي في الدلائل عن أبي ذرّ قال :«لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد مرّ على مصعب بن عمير مقتولاً على طريقه، فقرأ مّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ الآية». وأخرج ابن مردويه من حديث خباب مثله، وهما يشهدان لحديث أبي هريرة. وأخرج الترمذي وحسنه، وأبو يعلى وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن طلحة : أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لأعرابيّ جاهل : سله عمن قضى نحبه من هو ؟ وكانوا لا يجترئون على مسألته يوقرونه ويهابونه، فسأله الأعرابي فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم إني اطلعت من باب المسجد فقال :«أين السائل عمن قضى نحبه ؟» قال الأعرابي : أنا، قال :«هذا ممن قضى نحبه» وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من حديثه نحوه. وأخرج الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن معاوية قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«طلحة ممن قضى نحبه». وأخرج سعيد بن منصور وأبو يعلى وأبو نعيم وابن المنذر وابن مردويه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«من سرّه أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض قد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة». وأخرج أبو الشيخ وابن عساكر عن عليّ، أن هذه الآية نزلت في طلحة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ قال : الموت على ما عاهدوا الله عليه، ومنهم من ينتظر الموت على ذلك. وأخرج أحمد والبخاري وابن مردويه عن سليمان بن صرد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب :«الآن نغزوهم ولا يغزونا». وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عمر في قوله : فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ قال : مات على ما هو عليه من التصديق والإيمان وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ ذلك وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً لم يغيروا كما غير المنافقون.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية