ﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿ

( قوله ) تعالى : لََقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ قرأ عاصم :«أُسْوَةٌ » بضم الهمزة حيث وَقَعَتْ هذه اللفظة والباقون بكسرها١. وهما لغتان كالغُدْوَةِ والغِدْوَةِ٢ والقُدْوَةِ والقِدْوةِ والأُسْوة بمعنى الاقتداء أي قدوة صالحة، وهي اسمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ وهو «الايتساء » فالأسوة من الايتساء كالقُدْوَة من الاقْتِدَاء، وائْتَسَى فُلانٌ بِفُلاَنٍ أي اقْتَدَى به٣، وأسوة اسم «كان » وفي الخبر وجهان :
أحدهما : هو «لكم »٤ فيجوز في الجار الآخر٥ وجوه : التعلق بما يتعلق به الخبر٦، أي بمحذوف على أنه حال من «أُسْوَةٍ »٧ ؛ إذ لو تأخر لكان صفةً أو «بكان » على مذهب من يَرَاهُ٨.
الثاني : أن الخبر هو :«فِي رَسُولِ اللَّهِ » و «لَكُمْ » على ما تقدم في «رسول الله » أو يتعلق بمحذوف على التبيين أَعْنِي لَكُمْ٩.
قوله : لِمَن كَانَ يَرْجُو فيه أوجه :
أحدها : أنه بدل من الكاف في «لَكُمْ » قاله الزمخشري١٠، ومنعه أبو البقاء، وتابعه أبو حيان، قال أبو البقاء : وقيل : هو بدل من ضمير المُخَاطَبِ بإعادة الجارِّ، ومنع منه الأكثرون ؛ لأن ضمير المخاطب لا يبدل منه١١. وقال أبو حيان١٢ : قال الزمخشري بدل من «لكم » كقوله : استضعفوا لِمَنْ آمَنَ منهم [ الأعراف : ٧٥ ]. قال : ولا يجوز على١٣ مذهب جمهور البصريين أن يبدل من ضمير المتكلم ولا من ضمير المخاطب بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة وأجاز ذلك الكوفيون والأخفش وأنشد :

٤٠٧٧ - بِكُمْ قُرَيْشٍ كُفِينَا كُلَّ مُعْضِلَةٍ وأَمَّ نَهْجَ الهُدَى مَنْ كَانَ ضِلّيلاً١٤
قال شهاب الدين : لا نسلم أن هذا بدل١٥ شيء من شيء وهما لعين واحدة، بل بدل بعض من كل باعتبار الواقع لأن الخطاب في قوله :«لكُم » أعمّ مِن :«مَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وغَيْره » ثم خصص ذلك العموم لأن المتأَسِّيَ به عليه ( الصلاة١٦ و ) السلام في الواقع إنما هم المؤمنون ويدل عليه١٧ ما قلته ظاهر تشبيه الزمخشري هذه الآية بآية الأعراف، وآية الأعراف البدل فيها بدل كل من كل ومجابٌ١٨ بأنه إنما قصد التشبيه في مجرد إعادة العامل.
والثاني : أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة «لحَسَنَةٍ »١٩.
والثالث : أن يتعلق بنفس «حسنة » قالهما٢٠ أبو البقاء، ومنع أن يتعلق بأسوة قال : لأنها قد٢١ وصفت و «كَثِيراً » أي ذِكْراً كَثِيراً٢٢.

فصل :


لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة أي قدوة صالحة أن تنصروا دين الله وتؤازروا الرسول ولا تتخلفوا عنه وتصبروا على ما يصيبكم كما فعل هو إذا كسرت رُبَاعِيَّتُهُ، وجرح وَجْهُهُ وقتل عمه، وأوذي بَضُروبٍ من الأذى فواساكم مع ذلك بنفسه فافعلوا أنتم كذلك أيضاً، واستنوا بسنته لِمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الآخر قال ابن عباس لمن كان٢٣ يرجو ثواب الله. وقال مقاتل : يخشى الله واليوم الآخر٢٤ أي يخشى يوم البعث الذي فيه جزاء الأعمال وذكر الله كثيراً في جميع المواطن على السراء والضراء،
١ السبعة ٥٢٠ والإتحاف ٣٥٤ ومعاني الفراء ٢/٣٣٩..
٢ فالضم لقيس والحسن وأهل الحجاز يقرؤون إسوة- بالكسر- حكاه الفراء في معانيه ٢/٣٣٩..
٣ نقله السمين في الدر ٤/٣٧٦..
٤ المرجع السابق وانظر كذلك التبيان ١٠٥٤..
٥ وهو: "في رسول الله"..
٦ وهو الاستقرار لا بأسوة..
٧ قالهما السمين في الدر ٤/٣٧٦ وأبو البقاء في التبيان ١٠٥٥..
٨ أي على مذهب من يرى أن كان وأخواتها تعمل في الخبر "جارًّا وظرفاً"..
٩ قالهما أبو حيان في البحر ٧/٢٢٢ وأبو البقاء في التبيان ١٠٥٥ والسمين في الدر ٤/٣٧٦..
١٠ انظر: الكشاف ٣/٢٥٦..
١١ التبيان ١٠٥٥..
١٢ البحر المحيط ٧/٢٢٢..
١٣ المرجع الأخير السابق..
١٤ البيت من بحر البسيط وهو مجهول قائله وشاهده في "بكم قريش" حيث أبدل "قريشاً" من الكاف في "بكم" وعامة الجمهور لا يجيزه وأجازه الأخفشُ والكوفيون وعلى ذلك استشهدوا بهذا البيت. وقد تقدم..
١٥ نقله شهاب الدين السمين في الدر ٤/٣٧٦ و ٣٧٧..
١٦ زيادة من "ب"..
١٧ في الدر: "ويدلك"..
١٨ في "ب" والسمين "ويجاب" بلفظ الفعلية..
١٩ قال ابن الأنباري في البيان "الجرار والمجرور في موضع رفع لأنه صفة "لأسوة" وتقديره: أسوة حسنة كائنة لمن كان يرجو الله ولا يجوز أن يتعلق بنفس "أسوة" إذا جعل بمعنى التأسي لأن "أسوة" وصفت وإذا وصف المصدر لم يعمل فكذلك ما كان في معناه". وانظر: البيان ٢/٢٦٧..
٢٠ في "ب" قاله وهو خطأ وانظر التبيان ١٠٥٥..
٢١ المرجع السابق وانظر: الدر ٤/٣٧٦ و ٣٧٧..
٢٢ المراجع السابقة..
٢٣ ذكرهما القرطبي في تفسيره ١٤/١٥٦ وانظر كذلك زاد المسير ٦/٣٦٨..
٢٤ ذكرهما القرطبي في تفسيره ١٤/١٥٦ وانظر كذلك زاد المسير ٦/٣٦٨..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية