ﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿ

وإذا كان كتاب الله قد سجل على المنافقين خيانتهم لعهد الله، وتحفظهم المريب وتثاقلهم عن أداء الواجب، كلما دعاهم رسول الله، فها هو كتاب الله على العكس من ذلك ينوه بجهود المؤمنين الصادقين، ومسارعتهم إلى بذل الأنفس والأموال، وخوضهم المعارك دون تحفظ ولا تثاقل، كلما اضطروا إلى حمل السلاح والقتال، وفاءً بما عاهدوا الله عليه، ودفاعا عن دين الحق الذي أكرمهم الله بالانتماء إليه، وعلى رأسهم جميعا سيد الخلق ( نبي المرحمة، ونبي الملحمة ) رسول الله وخاتم النبيين، الذي هو قدوتهم وقدوة كافة المؤمنين، وذلك قوله تعالى : لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، وذكر الله كثيرا( ٢١ ) ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيمانا وتسليما( ٢٢ ) من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا( ٢٣ ) ليجزي الله الصادقين بصدقهم، ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم، إن الله كان غفورا رحيما( ٢٤ ) .
وواضح أن رسول الله كان خير قدوة لأصحابه من الأنصار والمهاجرين، وهو خير قدوة لكافة المؤمنين إلى يوم الدين، وقد ضرب المثل بنفسه للذين آمنوا معه، عندما دعاهم إلى مقاومة أحزاب الشرك والكفر، ووافق على إقامة خندق للدفاع عن المدينة، وكان أول من شمر عن ساعده، وتناول آلة الحفر وآلة تفتيت الصخر بيده الكريمة، إلى جانب أصحابه الكرام، وهم يقومون بحفر الخندق، فكان حفره بقيادة رسول الله وبركته من أعظم المفاجآت، التي حالت بين تلك الأحزاب والاستيلاء على عاصمة الإسلام الأولى.
ولما كان الائتساء برسول الله والاقتداء به على الوجه الأكمل، مقاما كبيرا في الدين، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يمثل الإنسان الكامل بين العالمين، نبه كتاب الله على أن هذا المقام لا يبلغه إلا الأصفياء الأتقياء من أقوياء الإيمان واليقين، وهذا معنى قوله تعالى : لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ، بعد قوله : لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة .
وقول المؤمنين عندما رأوا تألب الآلاف المؤلفة من أحزاب الشرك والكفر عليهم : هذا ما وعدنا الله ورسوله ، إشارة إلى قوله تعالى فيما سبق من سورة البقرة، وهي أول سورة نزلت بالمدينة، مخاطبا للمؤمنين الأولين ( ٢١٢ ) : أم حسبتهم أن تدخلوا الجنة، ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ، وقولهم وصدق الله ورسوله إشارة إلى قوله تعالى في ختام تلك الآية : ألا إن نصر الله قريب .
وقوله تعالى : فمنهم من قضى نحبه ، أي من وفى بما عاهد عليه الله، كمن كان عليه دين وقضى دينه، واستعمل ( النحب ) هنا بمعنى النذر يلتزم به الشخص، أو العهد الذي يأخذه على نفسه، ومنهم من ينتظر ، أي : من ينتظر الشهادة في سبيل الله وفاءً بالعهد، وانتظاراً للوعد، وما بدلوا تبديلا ، أي : ما بدلوا نذرهم ولا عهدهم، والله تعالى لا يخلف وعدهم.
وقوله تعالى : ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم ، معناه أنهم إذا ماتوا على النفاق عذبوا وكانوا في الدرك الأسفل من النار، وإذا تابوا من نفاقهم وآمنوا حق الإيمان تاب الله عليهم، وألحقوا بالمؤمنين الأبرار، إن الله كان غفورا رحيما .

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير