ولما أخبر تعالى عنهم بهذه الأحوال التي هي غاية في الدناءة أقبل عليهم إقبالاً يدلهم على تناهي الغضب بقوله تعالى : مؤكداً محققاً لأجل إنكارهم : لقد كان لكم أيها الناس كافة الذين المنافقون في غمارهم في رسول الله الذي جلاله من جلاله وكماله من كماله أسوة أي : قدوة حسنة أي : صالحة وهو المؤتسى به أي : المقتدى به، كما تقول في البيضة : عشرون منَّاً حديداً أي : هي في نفسها هذا المبلغ من الحديد، أو أن فيه خصلة حسنة من حقها أن يؤتسى بها، كالثبات في الحرب ومقاساة الشدائد إذ كسر رباعيته وجرح وجهه وقتل عمه، وأوذي بضروب الأذى، فواساكم مع ذلك بنفسه فافعلوا أنتم كذلك واستسنوا بسنته.
تنبيه : الأسوة اسم وضع موضع المصدر وهو الائتساء، فالأسوة من الائتساء كالقدوة من الاقتداء وائتسى فلان بفلان أي : اقتدى به، وقرأ عاصم بضم الهمزة والباقون بكسرها وهما لغتان : كالعُدوة والعِدوة، والقُدوة والقِدوة وقوله تعالى : لمن كان أي : كوناً كائنه جبلة له يرجو الله أي : في جبلته أنه يجدد الرجاء مشمراً للذي لا عظيم في الحقيقة سواه، فيؤمل إسعاده ويخشى إبعاده. تخصيص بعد التعميم للمؤمنين أي : أن الأسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم لمن كان يرجو الله. قال ابن عباس : يرجو ثواب الله، وقال مقاتل : يخشى الله واليوم الآخر أي : يخشى يوم البعث الذي فيه جزاء الأعمال وذكر الله أي : الذي له صفات الكمال وقيده بقوله تعالى : كثيراً تحقيقاً لما ذكر في معنى الرجاء الذي به الفلاح أو أن المراد به الدائم في حال السراء والضراء.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني