وقوله : لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أي : إنما يختبر عباده بالخوف والزلزال ليميز(١) الخبيث من الطيب، فيظهر أمر هذا بالفعل، وأمر هذا بالفعل، مع أنه تعالى يعلم الشيء قبل كونه، ولكن لا يعذب الخلق بعلمه فيهم، حتى يعملوا بما يعلمه فيهم(٢)، كما قال تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ(٣) الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ(٤) أَخْبَارَكُمْ [ محمد : ٣١ ]، فهذا علم بالشيء بعد (٥) كونه، وإن كان العلم (٦) السابق حاصلا به قبل وجوده. وكذا قال تعالى : مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ [ آل عمران : ١٧٩ ]. ولهذا قال هاهنا : لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ أي : بصبرهم على ما عاهدوا الله عليه، وقيامهم به، ومحافظتهم عليه. وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ : وهم الناقضون لعهد الله، المخالفون لأوامره، فاستحقوا بذلك عقابه وعذابه، ولكن هم تحت مشيئته في الدنيا، إن شاء استمر بهم على ما فعلوا حتى يلقوه به فيعذبهم عليه، وإن شاء تاب عليهم بأن أرشدهم إلى النزوع عن النفاق إلى الإيمان، وعمل(٧) الصالح بعد الفسوق والعصيان. ولما كانت رحمته ورأفته بخلقه هي الغالبة لغضبه قال : إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا .
٢ - في ت: "بما علمه منهم" وفي ف: "بما يعلمه منهم"..
٣ - في ت: "يعلم"..
٤ - في ت: "يبلو"..
٥ - في ف: "قبل"..
٦ - في ت: "العالم"..
٧ - في ت، ف: "والعمل"..
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة