المعنى الجملي : بعد أن أمر سبحانه عباده بتقواه، وعدم الخوف من سواه - ذكر هنا تحقيق ما سلف فأبان أنه أنعم على عباده المؤمنين، إذ صرف عنهم أعداءهم وهزمهم حين تألبوا عليهم عام الخندق.
وتفصيل هذا على ما قاله أرباب السير : أن نفرا من اليهود قدموا على قريش في شوال سنة خمس من الهجرة بمكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا لهم : إن دينكم خير من دينه، ثم جاؤوا غطفان وقيسا وعيلان، وحالفوا جميع هؤلاء أن يكونوا معهم عليه، فخرجت هذه القبائل ومعها قادتها وزعماؤها.
ولما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسيرهم أمر المسلمين بحفر خندق حول المدينة بإشارة سلمان الفارسي، وعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون وأحكموه ؛ وكان رسول الله يرتجز بكلمات ابن رواحة، ويقول :
اللهم لولا أنت ما اهتدينا *** ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا *** وثبت الأقدام إن لاقينا
وفي أثناء العمل برزت لهم صخرة بيضاء في بطن الخندق فكسرت حديدهم وشقت عليهم، فلما علم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ المعول من سلمان وضربها به ضربة صدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها( جانبي المدينة )حتى كأنه مصباح في جوف بيت مظلم ؛ فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون وهكذا مرة ثانية وثالثة فكانت تضيء وكان التكبير ؛ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" ضربت ضربتي الأولى فبرق البرق الذي رأيتم فأضاء لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها ؛ ثم ضربت ضربتي الثانية، فبرق البرق الذي رأيتم أضاء لي منها قصور قيصر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها ؛ ثم ضربت الثالثة فبرق البرق الذي قد رأيتم أضاء لي منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، فأبشروا ؛ فاستبشر المسلمون، وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ؛ فقال المنافقون : ألا تعجبون ؟ يمنيكم ويعدكم الباطل، ويخبركم أنه ينظر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا، فنزل : وإذ يقول المنافقون الخ، ونزل : قل اللهم مالك الملك الآية آل ( عمران : ٢٦ ) ".
ولما اجتمع هؤلاء الأحزاب الذين حزبهم اليهود، وأتوا إلى المدينة رأوا الخندق حائلا بينهم وبينها فقالوا : والله هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها، ووقعت مصادمات بين القوم وكرا وفرا، فمن المشركين من كان يقتحم الخندق فيرمى بالحجارة ومنهم، من كان يقتحمه بفرسه فيهلك.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر من غطفان أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعلمه أنه أسلم وأن قومه لم يعلموا بذلك، فقال صلى الله عليه وسلم :" إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعته "، فأتى قريظة وقال لهم : لا تحاربوا مع قريش وغطفان إلا إذا أخذتم منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديكم تقية لكم على أن يقاتلوا معكم محمدا، لأنهم رجعوا وسئموا حربه، وإنكم وحدكم لا تقدرون عليه، وذهب إلى قريش وإلى غطفان، فقال لهم : إن اليهود يريدون أن يأخذوا منكم رهنا يدفعونها لمحمد، فيضرب أعناقهم، ويتحدون معه على قتالكم، لأنهم ندموا على ما فعلوا من نقض العهد وتابوا، وهذا هو المخرج الذي اتفقوا عليه.
وحينئذ تخاذل اليهود والعرب، ودب بينهم دبيب الفشل. ومما زاد في فشلهم أن بعث الله عليهم ريحا في ليلة شاتية شديدة البرد، فجعلت تكفئ قدورهم، وتطرح آنيتهم.
وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة يصلي على التل الذي عليه مسجد الفتح، ثم يلتفت ويقول :" هل من رجل يقوم فينظر لما ما فعل القوم ؟ " فعل ذلك ثلاث مرات، فلم يقم رجل واحد، من شدة الخوف، وشدة الجوع، وشدة البرد، فدعا حذيفة بن اليمان وقال :" ألم تسمع كلامي منذ الليلة ؟ " قال حذيفة : فقلت يا رسول الله منعني أن أجيبك الضر والقر، قال :" انطلق حتى تدخل في القوم، فتسمع كلامهم وتأتيني بخبرهم اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، حتى ترده إلي، انطلق ولا تحدث شيئا حتى تأتيني "، فانطلق حذيفة بسلاحه، ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده يقول :" يا صريخ المكروبين، ويا مجيب المضطرين، اكشف همي وغمي وكربي، فقد ترى حالي وحال أصحابي " فنزل جبريل وقال : إن الله قد سمع دعوتك، وكفاك هول عدوك، فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتيه، وبسط يديه، وأرخى عينيه وهو يقول :" شكرا شكرا كما رحمتني ورحمت أصحابي "، وذهب حذيفة إلى القوم، فسمع أبا سفيان يقول : يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح ما ترون، فارتحلوا فإني مرتحل، فلما رجع أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضحك حتى بدت أنيابه في سواد الليل.
الإيضاح : ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم أي إنه سبحانه إنما يختبر عباده بالخوف والزلزال ليميز الخبيث من الطيب، ويظهر أمر كل منهما جليا واضحا كم قال : ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم ( محمد : ٣١ )وقال : ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ( آل عمران : ١٧٩ )ثم يثيب أهل الصدق منهم بصدقهم بما عاهدوا الله عليه، ووفائهم له به، ويعذب المنافقين الناقضين لعهده، المخالفين لأوامره، إذا استمروا على نفاقهم، حتى يلقوه، فإن تابوا ونزعوا عن نفاقهم، وعملوا صالح الأعمال غفر لهم ما أسلفوا من السيئات، واجترحوا من الآثام والذنوب.
ولما كانت رحمته ورأفته بخلقه هي الغالبة قال :
إن الله كان غفورا رحيما أي إنه تعالى من شأنه الستر على ذنوب التائبين والرحمة بهم، فلا يعاقبهم بعد التوبة، وفي هذا حث عليها في كل حين، وبيان نفعها للتائبين.
ثم رجع يحكي بقية القصص وفصل ذلك تتميما للنعمة التي أشار إليها إجمالا بقوله : فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها ( الأحزاب : ٩ )ووسط بينهما بإيضاح ما نزل بهم من الطامة التي تحير العقول والأفهام، والداهية التي زلت فيها الأقدام، وما صدر من الفريقين المؤمنين وأهل الكفر والنفاق من الأحوال والأقوال، لإظهار عظمة النعمة، وإبانة جليل خطرها، ومجيئها حين اشتداد الحاجة إليها فقال : ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال .
تفسير المراغي
المراغي