قوله :«لِيَجْزِيَ اللَّهُ » فيه وجهان :
أحدهما : أنها لام العلة.
والثاني : أنها لام الصيرورة، وفيما يتعلق به أوجه إما «بصَدَقَوا » وإما «بزَادَهُمْ » وإما بمَا بَدَّلُوا(١) وعلى هذا قال الزمخشري : جعل المنافقون كأنهم قصدوا عاقبة السوء وأرادوها بتبديلهم كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم لأن كلا الفريقين مسوقٌ إلى عاقبته من الثواب والعقاب فكأنهما استويا في طلبهما والسعي لتحصيلها، والمعنى ليجزي الله الصادقين بصدقهم أي جزاء صدقهم وهو الوفاء بالعهد.
وَيُعَذِّبَ المنافقين إِن شَاءَ أي الذين كذبوا وأخلفوا، وقوله :«إنْ شَاءَ » ذلك فيمنعهم من الإيمان أو يتوب عليهم إن أراد ( «وأو(٢) » ) وجواب إن شاء مقدر وكذلك مفعول «شاء » أي إن شاء تعذيبَهم عَذَّبهم(٣)، فإن قيل : عذابهم متحتم فكيف يصح تعليقه على المشيئة وهو قد شاء تعذيبهم إذا ماتوا على النفاق ؟ !. فأجاب ابن عطية بأن تعذيب المنافقين ثمرة إدامتهم الإقامة على النفاق إلى موتهم، والعقوبة(٤) موازية لتلك الإقامة وثمرة التوبة تركهم دون عذاب فهما درجتان إقامة على نفاق، أو توبة منه وعنهما ثمرتان تعذيب أو رحمة فذكر تعالى على جهة الإيجاز واحدةً من هاتين وواحدة ( من(٥) هاتين ) ما ذكر على ما ترك ذكره، ويدل على أن معنى قوله :«ليُعَذِّب » ليديم على النفاق، قَوْلُهُ :«إنْ شَاءَ » ومعادلته بالتوبة وحرف «أو(٦) ». قال أبو حيان وكان ما ذكر يؤول إلى أن التقدير : ليقيموا على النفاق فيموتوا عليه إن شاء فيعذبهم أو يتوب عليهم فيرحمهم فحذف سبب التعذيب وأثبت المسبَّب وهو التعذيب(٧)، وأثبت سبب الرحمة والغفران وحذف المسبب وهو الرحمة والغفران، وقال ابن الخطيب إنما قال ذلك حيث لم يكن قد حصل ما بين(٨) النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إيمانهم وآمن بعد ذلك ناس وكان الله غفوراً حيث ستر ذنبهم و «رحيماً » حيث رحمهم ورزقهم الإيمان فيكون هذا فيمن آمن بعده. أو نقول «ويعذب المنافقين » مع أنه كان غفوراً رحيماً لكثرة ذنوبهم وقوة جرمهم ولو كان دون ذلك لغفر لهم
٢ زيادة لا معنى لها..
٣ قاله السمين في الدر المصون ٤/٣٧٩..
٤ في البحر والسمين و"ب" والتوبة دون العقوبة..
٥ في المرجعين السابقين ولكنه ساقط من "ب"..
٦ انظر: البحر ٧/٢٢٣ والدر المصون ٤/٣٧٩..
٧ المرجع السابق قال: وهذا من الإيجاز الحسن البحر ٧/٢٢٣..
٨ في تفسيره "يأس النبي"..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود