وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالحا قرأ الجمهور يقنت بالتحتية، وكذا قرؤوا يأت منكنّ حملاً على لفظ من في الموضعين، وقرأ الجحدري ويعقوب وابن عامر في رواية وأبو جعفر بالفوقية حملاً على المعنى، ومعنى من يقنت من يطع، وكذا اختلف القراء في مبينة ، فمنهم من قرأها بالكسر، ومنهم من قرأها بفتح الياء كما تقدّم في النساء. وقرأ ابن كثير وابن عامر :" نضعف " بالنون ونصب العذاب، وقرىء :" نضاعف " بكسر العين على البناء للفاعل نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ قرأ حمزة والكسائي بالتحتية، وكذا قرأ " يعمل " بالتحتية، وقرأ الباقون : تعمل بالفوقية، " ونؤت " بالنون. ومعنى إتيانهنّ الأجر مرّتين : أنه يكون لهنّ من الأجر على الطاعة مثلا ما يستحقه غيرهنّ من النساء إذا فعلن تلك الطاعة. وفي هذا دليل قويّ على أن معنى يضاعف لها العذاب ضعفين أنه يكون العذاب مرّتين لا ثلاثاً ؛ لأن المراد إظهار شرفهنّ ومزيتهنّ في الطاعة والمعصية بكون حسنتهنّ كحسنتين، وسيئتهنّ كسيئتين، ولو كانت سيئتهنّ كثلاث سيئات لم يناسب ذلك كون حسنتهنّ كحسنتين، فإن الله أعدل من أن يضاعف العقوبة عليهنّ مضاعفة تزيد على مضاعفة أجرهن وَأَعْتَدْنَا لَهَا زيادة على الأجر مرّتين رِزْقاً كَرِيماً .
قال المفسرون : الرزق الكريم هو : نعيم الجنة، حكى ذلك عنهم النحاس.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالحا قال يقول : من يطع الله منكنّ وتعمل منكنّ لله ورسوله بطاعته. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله : فَلاَ تَخْضَعْنَ بالقول قال : يقول لا ترخصن بالقول ولا تخضعن بالكلام. وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً في قوله : فَلاَ تَخْضَعْنَ بالقول قال : مقارنة الرجال في القول حتى يطمع الذي في قلبه مرض. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن محمد بن سيرين قال : نبئت أنه قيل لسودة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم : مالك لا تحجين ولا تعتمرين كما يفعل أخواتك ؟ فقالت : قد حججت واعتمرت وأمرني الله أن أقرّ في بيتي، فوالله لا أخرج من بيتي حتى أموت ؛ قال : فوالله ما خرجت من باب حجرتها حتى أخرجت بجنازتها. وأخرج ابن أبي شيبة وابن سعد، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن المنذر عن مسروق قال : كانت عائشة إذا قرأت وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ بكت حتى تبلّ خمارها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الشعب قال : كانت الجاهلية الأولى فيما بين نوح وإدريس وكانت ألف سنة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ؛ أن عمر بن الخطاب سأله، فقال : أرأيت قول الله لأزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم : وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهلية الأولى هل كانت جاهلية غير واحدة، فقال ابن عباس : ما سمعت بأولى إلا ولها آخرة، فقال له عمر : فأتني من كتاب الله ما يصدّق ذلك، فقال : إن الله يقول : وجاهدوا فِي الله حَقَّ جهاده هُوَ اجتباكم [ الحج : ٧٨ ] أوّل مرّة فقال عمر : من أمرنا أن نجاهد ؟ قال : مخزوم وعبد شمس.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أيضاً في الآية قال : تكون جاهلية أخرى. وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة أنها تلت هذه الآية فقالت : الجاهلية الأولى كانت على عهد إبراهيم. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : الجاهلية الأولى ما بين عيسى ومحمد.
وقد قدّمنا ذكر الآثار الواردة في سبب نزول قوله : إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت . وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : واذكرن مَا يتلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءايات الله والحكمة قال : القرآن والسنة، يمتنّ بذلك عليهنّ. وأخرج ابن سعد عن أبي أمامة عن سهل في قوله : واذكرن مَا يتلى فِي بُيُوتِكُنَّ الآية قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في بيوت أزواجه النوافل بالليل والنهار.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني