ﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠ

وقوله: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)
هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: قوله: (وَاذْكُرْنَ) أي: اتلون ما يتلى في بيوتكن من آيات اللَّه والحكمة، وجعل بيوتكن موضعًا لنزول الوحي.
والثاني: اذكرن على حقيقة الذكر؛ أي: اذكرن ما من اللَّه عليكن، وجعلكن من أهل بيت يتلى فيه آيات اللَّه والحكمة، وجعل بيوتكن موضعًا لنزول الوحي فيها، وخصكن بذلك، ما لم يجعل في بيت أحد ذلك، يذكرهن عظيم ما أنعم ومن عليهن؛ ليتأذى به شكره؛ ليعرفن منن اللَّه ونعمه عليهن.
وقوله: (مِنْ آيَاتِ اللَّهِ) يحتمل آيات القرآن.
ويحتمل حججه وبراهينه.
والحكمة: قالت الفلاسفة: الحكيم: هو الذي يجمع العلم والعمل جميعًا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الحكيم: المصيب، والحكمة: هي الإصابة.
وقيل: هي وضع الشيء موضعه، وهي نقيض السفه.
وأصل الحكمة في الحقيقة كأنه هي الإصابة في كل شيء، والحكيم: هو الذي لا يلحقه الخطأ في الحكم ولا الغلط.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الحكمة - هاهنا - هي السنة.
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا) اللطيف: هو البار؛ يقال: فلان لطيف: إذا كان بارًّا.
والثاني: اللطيف: هو الذي يستخرج الأشياء الخفية الكامنة مما لا يتوهمها العقول استخراجها من مثلها.
* * *
قوله تعالى: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)
وقوله: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ...) إلى آخر ما ذكر.
إن أم سلمة زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وامرأة يقال لها: نسيبة بنت كعب، [أتيتا] رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -

صفحة رقم 384

فقالتا: يا رسول اللَّه، ما بال ربنا يذكر الرجال في القرآن بالخير، ولا يذكر النساء في شيء؛ فنزل: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ...).
ثم قوله: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) يدل أن الإسلام والإيمان هما في الحقيقة واحد - أعني: في الحقيقة المعنى واحد - وإن كانا مختلفين بجهة؛ لأن الإسلام هو أن يجعل كل شيء لله سالمًا خالصًا، لا يجعل لغيره فيه شركًا ولا حقا، والإيمان هو التصديق لله بشهادة كل شيء له بالوحدانية والربوبية والألوهية، فمن جعل الأشياء كلها لله، خالصة سالمة له، والذي صدق اللَّه بشهادة كلية الأشياء له بالوحدانية والربوبية واحد؛ لأن المخلص هو الذي يرى كل شيء لله خالصًا، والموحد هو الذي يرى الوحدانية له والربوبية في كل شيء؛ فهما في حقيقة المعنى واحد، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ) القنوت: هو القيام في اللغة؛ روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - سئل عن أفضل الصلاة؟ فقال: " طول القنوت "، وفي بعضه: " طول القيام "، فسر القنوت بالقيام؛ فثبت أن القنوت هو القيام، فيكون تأويله - واللَّه أعلم -: القائمين والقائمات بجميع أوامر اللَّه ومناهيه. وكذلك يخرج تأويل أهل التأويل: القائمين: المطيعين والمطيعات لله؛ لأن كل قائم بأمر آخر فهو مطيع له، هذا كأنه يقول: يكون في الاعتقاد، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ...) إلى أَخره؛ يكون في المعاملة في تصديق ما اعتقدوا وقبلوا، يصدقون ويوفون بالأعمال فيما اعتقدوا وقبلوا.
وقوله: (وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ) الصبر: هو كف النفس وحبسها عن التعاطي في جميع المحرمات المحظورات، وعلى ذلك يخرج قول أهل التأويل: الصابرين على أمر الله وطاعاته، وعلى الأذى والمصائب، يكفون عن جميع ما لا يحل فيه، ويرون ذلك من تقديره.

صفحة رقم 385

وقوله: (وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: الخاشع: المتواضع.
وأصل الخشوع: هو الخوف اللازم في القلب؛ وهو قول الحسن: يخافون اللَّه في كل حال، لا يخافون غيره، ويرجون اللَّه، ولا يرجون غيره؛ هكذا عمل المؤمن: يكون حقيقة خوفه ورجائه منه.
وأمَّا الكافر فإنه لا يخاف ربه، ولا يرجو منه؛ لأنه لا يعرفه ولا يخضع له، وعلى ذلك المعتزلة إنما خوفهم من أعمالهم السيئة ورجاؤهم منها - أعني: من أعمالهم الحسنة - لا من اللَّه حقيقة، وكذلك على قولهم: لا يكون لأحد رجاء في شفاعة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إنما رجاؤه في أعماله؛ لقولهم: أن ليس لله في أفعال العباد شيء من تدبيره ولا تقديره.
وقوله: (وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ) أي: المنفقين في طاعة اللَّه (وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ) قد ذكر أن هذا راجع إلى حقيقة الفعل في الصيام، والصدقة، والصدق في القول والمعاملة، والخشوع منه.
وجائز أن يكون في القبول والاعتقاد؛ على ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ) فيما لا يحل؛ كقوله: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ).
وقوله: (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: المصلون لله الصلوات الخمس.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الذاكرين اللَّه كثيرًا والذاكرات باللسان على كل حال، لكن غيره كأنه أولى بذلك؛ أي: الذاكرين حق اللَّه الذي عليهم كثيرًا والذاكرات (أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا).
* * *
قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦) وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧) مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩) مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)

صفحة رقم 386

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية