ﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌ

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥٣:ثم وجه كتاب الله الخطاب إلى المؤمنين من ضيوف الرسول، الذين يدعوهم الرسول لتناول الطعام عنده، ولقنهم آداب الضيافة، وفي طليعتها الميل إلى التخفيف في الجلوس والحديث، والانصراف بمجرد انتهاء المأدبة التي حضروها، حتى يتفرغ الرسول عليه السلام لرعاية أهله، إذ لأهله عليه حق. ونبه كتاب الله في نفس السياق إلى منع دخول بيوت النبي دون إذن منه، إبطالا للعرف الذي كان سائدا في الجاهلية بدخول البيوت من غير إذن أصحابها، ثم استمر في صدر الإسلام. كما نبه إلى منع ( التطفل ) دون دعوة سابقة، وإلى هذه المعاني مجتمعة يشير قوله تعالى في إيجاز وإعجاز : يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ، وهذا النص هو الذي يمنع الدخول إلى البيت دون إذن صريح، إذ لا بد من الدعوة والإذن في فتح الباب والدخول، وقوله : إلى طعام غير ناظرين إناه ، أي : لا تحضروا وتنتظروا وقت نضج الطعام واستوائه دون سابق دعوة، ولكن إذا دعيتم فادخلوا ، ثم قال تعالى : فإذا طعمتم فانتشروا ، أي : اذهبوا لحال سبيلكم، ولا مستأنسين لحديث ، أي : لا تطيلوا الجلوس والتبسط في الكلام، بعد الانتهاء من تناول الطعام.
وبعد ما ميز كتاب الله ما هو سائغ ومقبول مما هو مرفوض ومرذول، قال تعالى : إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم ، و( الإذاية ) كل ما تكرهه النفس، وكما كان ذلك يؤذي النبي عليه السلام كان يؤذي أزواجه، لكن لما كان البيت بيت النبي صلى الله عيه وسلم والحق حقه أضيف ذلك إليه : والله لا يستحيي من الحق ، وهكذا وجه كتاب الله الخطاب إلى ضيوف الرسول في هذا الشأن، دفعا للأذى والحرج الذي كان يصيبه ويصيب أهله في بعض الأحيان، لكنه لم يكن يفصح عنه، لغلبة الحياء عليه صلى الله عليه وسلم.
وبهذه المناسبة لفت كتاب الله أنظار الذين تدعوهم الحاجة لمخاطبة أزواج الرسول، إلى أن الواجب يقضي عليهم بمخاطبتهن من وراء حجاب، لا وجها لوجه، فقال تعالى : وإذا سألتموهن متاعا ، أي حاجة، فاسألوهن من وراء حجاب ، أما الحكمة في هذا التدبير المحكم فقد بينها كتاب الله إذ قال : ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ، فطهارة القلوب من خواطر السوء، بالنسبة للرجال والنساء على السواء، مرهونة بالعفاف وغض البصر.
ولما انتهى كتاب الله من تفصيل القول في الحياة العائلية للرسول وهو على قيد الحياة، أعلن كتاب الله حكمه في مصير أزواج الرسول بعد أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى، فحرم الزواج بهن من بعده على كافة المؤمنين، إذ هن بمنزلة أمهاتهم في الحرمة والحرمة إلى يوم الدين. يضاف إلى ذلك ما في هذا التدبير من توقير للرسول يتناسب مع عظيم منزلته، وسامي مكانته، وذلك قوله تعالى : وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله، ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا، إن ذلكم كان عند الله عظيما( ٥٣ ) إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما( ٥٤ ) .


التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير