ﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌ

ثم يقول الحق سبحانه :
إن تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ( ٥٤ ) .
فكأن في الآية إشارة تحذير : إياكم أن تسرقكم خواطركم في هذه المسألة، لأن ربكم لا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عن علمه شيء، وإن كانت الخواطر والهواجس لا يحاسب عليها المرء، إلا أنها محظورة منهي عنها، إن كانت في حق رسول الله.
لقد ورد في هذا الحديث الشريف : " من هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة " ١ هذا في الأمور العامة، أما إن تعلق الأمر برسول الله فلا، لأن مراد الحق سبحانه أن يوفر طاقة رسول الله للمهمة التي أرسل بها، وألاّ يشغله عنها شاغل، وأيّ مهمة أعظم من مهمة هداية العالم كله، ليس في زمنه صلى الله عليه وسلم، وإنما منذ بعثته وحتى قيام الساعة.
وقوله تعالى : إِن تُبْدُوا شَيْئًا.. ( ٥٤ ) [ الأحزاب ] أي : أيّ شيء مهما كان أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ( ٥٤ ) ( الأحزاب ) وعليم صيغة مبالغة في العلم، لأن علم الله تعالى علم أزلي ليس متجددا بتجددالحدث، فالله يعلم قبل الفعل وأثناء الفعل وبعده.
لذلك قلنا : إن الزمن عندنا نحن ماض وحاضر ومستقبل، أما بالنسبة للحق سبحانه فليس هناك ماض وحاضر ولا مستقبل، لذلك يتكلم سبحانه عن المستقبل وكأنه ماض.
واقرأ مثلا : أتى أمر الله فلا تستعجلوه.. ١ ( النحل ) وأتى فعل ماض ومع ذلك قال بعده فلا تستعجلوه.. ١ ( النحل ) والاستعجال لايكون إلا لشيء لم يأت وقته، فكأن ( أتى )معناها بالنسبة لكم سيأتي، أما بالنسبة للحق سبحانه فإنه أتى بالفعل، لأن الزمن كله في علم الله سواء.
ومعنى : فإن الله كان بكل شيء عليما ٥٤ ( الأحزاب ) أي : كان ومايزال عليما، لأنه سبحانه ما دام كان عليما، وهو سبحانه لايتأتى فيه الأخيار، فهو سبحانه عليم فيما مضى ولا يزال، لأنه لايتغير، فكان هنا لاتعني أن علمه تعالى نتيجة لحدثكم نتيجة لحدثكم الذي أحدثتموه إنما هو سبحانه عالم قبل أن يحدث منكم.
وهذه الآية من الآيات التي وقف عندها المستشرقون، ليستدركوا كما يظطنون على كلام الله لأنهم دائما يتهمونناأننا ننظر إلى القرآن بقداسة، وأنه كلام الله فلا نعمل فيه عقولنا، وأنهم حين يدققون في القرآن ويتجرأون على البحث فيه يجدون فيه مآخذ على حد زعمهم.
ووجه اعتراضهم في قوله تعالى إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما ٥٤ ( الأحزاب ) ومثله : وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ( ٢٩ ) [ النور ].
يقولون : إذا كان الله يمتنّ بعلم ما نخفى، فما الميزة وما العظمة في علم ما نبدي ؟
نقول : إياك حين تقرأ كلام الله أن تحكم فيه عقلك قبل أن تؤمن أنه صادر من الله تعالى، وأن هذا كلامه سبحانه، وعندها أدر المسألة في عقلك وابحثها حتى تصل إلى الحكمة ووجه الإعجاز فيها.
فقوله تعالى إِن تُبْدُوا.. ( ٥٤ ) [ الأحزاب ] الله لا يخاطب فردا، إنما يخاطب جمهرة الناس، والإبداء من الجمهرة لا يمكن لك أن تحدد مصدر الفعل فيه، بحيث تردّ كلّ صوت، وكلّ حركة إلى صاحبها.
وسبق أن مثلنا لذلك بالمظاهرة مثلا التي تختلط فيها الأصوات وتعلوا الهتافات، وسمعنا مثلا من ينادي بسقوط فلان، أنستطيع في هذه الحالة أن نحدد صاحب هذا الهتاف ؟ لا لا نستطيع بسبب اختلاط وتداخل الأصوات، مع أنه جهر أعلنه صاحبه بأعلى صوته وأبداه على الملأ، ومع ذلك لا تستطيع أنت تحديده.
أما الحق سبحانه، فيعلم الصوت، ويعلم صاحبه، ويعلم أثره ونتيجته، ويرد كل كلمة، بل وكل نفس إلى صاحبه، فالذين يحاولون التستر والاستخفاء في جمهرة الناس عليهم أن يحذروا إن شوشوا على الخلق، واستخفوا منهم، فلن يستخفوا من الله، فالله لا تشتبه عليه اللغات، ولا تختلط عليه الأصوات.

١ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن هم بحسنة فعملها كتبت له عشرا إلى سبعمائة ضعف، ومن هم بسيئة فلم يعلمها لم تكتب وإن عملها كتبت" أخرجه مسلم في صحيحه (١٣٠) كتاب الإيمان..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير