- قَوْله تَعَالَى: يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك وبناتك وَنسَاء الْمُؤمنِينَ يدنين عَلَيْهِنَّ من جلابيبهن ذَلِك أدنى أَن يعرفن فَلَا يؤذين وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما
صفحة رقم 658
أخرج ابْن سعد وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا قَالَت: خرجت سَوْدَة رَضِي الله عَنْهَا بعد مَا ضرب الْحجاب لحاجتها وَكَانَت امْرَأَة جسيمة لَا تخفى على من يعرفهَا فرآها عمر رَضِي الله عَنهُ فَقَالَ: يَا سَوْدَة إِنَّك وَالله مَا تخفين علينا فانظري كَيفَ تخرجين فَانْكَفَأت رَاجِعَة وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي بَيْتِي وَإنَّهُ ليتعشى وَفِي يَده عِرْقٌ فَدخلت وَقَالَت: يَا رَسُول الله إِنِّي خرجت لبَعض حَاجَتي فَقَالَ لي عمر رَضِي الله عَنهُ: كَذَا
كَذَا
فَأُوحي إِلَيْهِ ثمَّ رفع عَنهُ وان العِرْقَ فِي يَده فَقَالَ: إِنَّه قد أذن لَكِن ان تخرجن لحاجتكن
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن سعد وَعبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن أبي مَالك قَالَ: كَانَ نسَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يخْرجن بِاللَّيْلِ لحاجتهن وَكَانَ نَاس من الْمُنَافِقين يتعرضون لَهُنَّ فيؤذين فَقيل: ذَلِك لِلْمُنَافِقين فَقَالُوا: إِنَّمَا نفعله بالإِماء
فَنزلت هَذِه الْآيَة يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك وبناتك وَنسَاء الْمُؤمنِينَ يدنين عَلَيْهِنَّ من جلابيبهن ذَلِك أدنى أَن يعرفن فَلَا يؤذين فَأمر بذلك حَتَّى عرفُوا من الأماء
وَأخرج ابْن جرير عَن أبي صَالح رَضِي الله عَنهُ قَالَ: قدم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَدِينَة على غير منزل فَكَانَ نسَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وغيرهن إِذا كَانَ اللَّيْل خرجن يقضين حوائجهن وَكَانَ رجال يَجْلِسُونَ على الطَّرِيق للغزل فَأنْزل الله يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك وبناتك
يَعْنِي بالجلباب حَتَّى تعرف الْأمة من الْحرَّة
وَأخرج ابْن سعد عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ رَضِي الله عَنهُ قَالَ: كَانَ رجل من الْمُنَافِقين يتَعَرَّض لِنسَاء الْمُؤمنِينَ يؤذيهن فَإِذا قيل لَهُ قَالَ: كنت أحسبها أمة فأمرهن الله تَعَالَى أَن يخالفن زِيّ الأماء ويدنين عَلَيْهِنَّ من جلابيبهن تخمر وَجههَا إِلَّا إِحْدَى عينيها ذَلِك أدنى أَن يعرفن يَقُول: ذَلِك أَحْرَى أَن يعرفن
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فِي هَذِه الْآيَة قَالَ: أَمر الله نسَاء الْمُؤمنِينَ إِذا خرجن من بُيُوتهنَّ فِي حَاجَة أَن يغطين وجوههن من فَوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا وَاحِدَة
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد وَأَبُو دَاوُد وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن ام سَلمَة رَضِي الله عَنْهَا قَالَت: لما نزلت هَذِه الْآيَة يدنين عَلَيْهِنَّ من جلابيبهن خرج نسَاء الْأَنْصَار كَأَن على رؤوسهن الْغرْبَان من أكسيه سود يلبسنها
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن أبي قلَابَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ: كَانَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ لَا يدع فِي خِلَافَته أمة تقنع وَيَقُول: إِنَّمَا القناع للحرائر لكيلا يؤذين
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد عَن أنس رَضِي الله عَنهُ قَالَ: رأى عمر رَضِي الله عَنهُ جَارِيَة مقنعة فضربها بدرته وَقَالَ: القي القناع لَا تشبهين بالحرائر
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن عَائِشَة قَالَت: رحم الله نسَاء الْأَنْصَار لما نزلت يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك وبناتك وَنسَاء الْمُؤمنِينَ
شققْنَ مُرُوطهنَّ
فاعتجرن بهَا فصلين خلف رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَكَأَنَّمَا على رؤوسهن الْغرْبَان
وَأخرج عبد بن حميد عَن ابْن شهَاب رَضِي الله عَنهُ أَنه قيل لَهُ: الْأمة تزوج فتخمر قَالَ يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك وبناتك وَنسَاء الْمُؤمنِينَ يدنين عَلَيْهِنَّ من جلابيبهن فَنهى الله الاماء أَن يتشبهن بالحرائر
وَأخرج الْفرْيَابِيّ وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُحَمَّد بن سِيرِين رَضِي الله عَنهُ قَالَ: سَأَلت عُبَيْدَة رَضِي الله عَنهُ عَن هَذِه الْآيَة يدنين عَلَيْهِنَّ من جلابيبهن فَرفع ملحفة كَانَت عَلَيْهِ فقنع بهَا وغطى رَأسه كُله حَتَّى بلغ الحاجبين وغطى وَجهه وَأخرج عينه الْيُسْرَى من شقّ وَجهه الْأَيْسَر مِمَّا يَلِي الْعين
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير عَن قَتَادَة فِي قَوْله يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك وبناتك وَنسَاء الْمُؤمنِينَ يدنين عَلَيْهِنَّ من جلابيبهن قَالَ: أَخذ الله عَلَيْهِنَّ إِذا خرجن أَن يعدنها على الحواجب ذَلِك أدنى أَن يعرفن فَلَا يؤذين قَالَ: قد كَانَت الْمَمْلُوكَة يتناولونها فَنهى الله الْحَرَائِر يتشبهن بالاماء
وَأخرج عبد بن حميد عَن الْكَلْبِيّ فِي الْآيَة قَالَ: كن النِّسَاء يخْرجن إِلَى الجبابين لقَضَاء حوائجهن فَكَانَ الْفُسَّاق يتعرضون لَهُنَّ فيؤذونهن فأمرهن الله أَن يدنين عَلَيْهِنَّ من جلابيبهن حَتَّى تعلم الْحرَّة من الْأمة
وَأخرج عبد بن حميد عَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة ان دعارا من دعار أهل الْمَدِينَة كَانُوا يخرجُون بِاللَّيْلِ فَيَنْظُرُونَ النِّسَاء ويغمزونهن وَكَانُوا لَا يَفْعَلُونَ ذَلِك بالحرائر إِنَّمَا يَفْعَلُونَ ذَلِك بالإِماء فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك وبناتك وَنسَاء الْمُؤمنِينَ إِلَى آخر الْآيَة
وَأخرج ابْن جرير وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فِي الْآيَة قَالَ:
كَانَت الْحرَّة تلبس لِبَاس الْأمة فَأمر الله نسَاء الْمُؤمنِينَ أَن يدنين عَلَيْهِم من جلابيبهن وَأدنى الجلباب: أَن تقنع وتشده على جبينها
وَأخرج ابْن سعد عَن الْحسن رَضِي الله عَنهُ فِي قَوْله يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك وبناتك وَنسَاء الْمُؤمنِينَ يدنين عَلَيْهِنَّ من جلابيبهن ذَلِك أدنى أَن يعرفن فَلَا يؤذين قَالَ: أماؤكن بِالْمَدِينَةِ يتَعَرَّض لَهُنَّ السُّفَهَاء فيؤذين فَكَانَت الْحرَّة تخرج فيحسب أَنَّهَا أمة فتؤذى فأمرهن الله أَن يدنين عَلَيْهِم من جلابيبهن
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ رَضِي الله عَنهُ فِي الْآيَة قَالَ: كَانَ أنَاس من فساق أهل الْمَدِينَة بِاللَّيْلِ حِين يخْتَلط الظلام يأْتونَ إِلَى طرق الْمَدِينَة فيتعرضون للنِّسَاء وَكَانَت مسَاكِن أهل الْمَدِينَة ضيقَة فَإِذا كَانَ اللَّيْل خرج النِّسَاء إِلَى الطّرق فيقضين حاجتهن فَكَانَ أُولَئِكَ الْفُسَّاق يتبعُون ذَلِك مِنْهُنَّ فَإِذا رَأَوْا امْرَأَة عَلَيْهَا جِلْبَاب قَالُوا: هَذِه حرَّة فكفوا عَنْهَا وَإِذا رَأَوْا الْمَرْأَة لَيْسَ عَلَيْهَا جِلْبَاب قَالُوا: هَذِه أمة فَوَثَبُوا عَلَيْهَا
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن سعيد بن جُبَير رَضِي الله عَنهُ فِي قَوْله يدنين عَلَيْهِنَّ من جلابيبهن قَالَ: يسدلن عَلَيْهِنَّ من جلابيبهن
وَهُوَ القناع فَوق الْخمار وَلَا يحل لمسلمة أَن يَرَاهَا غَرِيب إِلَّا أَن يكون عَلَيْهَا القناع فَوق الْخمار وَقد شدت بِهِ رَأسهَا ونحرها
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن عِكْرِمَة رَضِي الله عَنهُ فِي الْآيَة قَالَ: تدني الجلباب حَتَّى لَا يرى ثغرة نحرها
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن عبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ فِي قَوْله يدنين عَلَيْهِنَّ من جلابيبهن قَالَ: هُوَ الرِّدَاء
وَأخرج الْفرْيَابِيّ وَابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد رَضِي الله عَنهُ فِي قَوْله يدنين عَلَيْهِنَّ من جلابيبهن قَالَ: يتجلببن بهَا فيعلمن أَنَّهُنَّ حرائر فَلَا يعرض لَهُنَّ فَاسق بأذى من قَول وَلَا ريبه
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُحَمَّد بن سِيرِين رَضِي الله عَنهُ قَالَ: سَأَلت عبيدا السَّلمَانِي رَضِي الله عَنهُ عَن قَوْله الله يدنين عَلَيْهِنَّ من جلابيبهن فتقنع بملحفة فَغطّى رَأسه وَوَجهه وَأخرج احدى عَيْنَيْهِ
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد ابن سابق الدين الخضيري السيوطي