ثم يقول الحق سبحانه :
{ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلا ( ٦٠ ) المتتبع لموكب الرسالات يجد أن الرسل واجهوا في نشر رسالتهم ثلاثة أصناف من البشر : صنف آمن، وصنف كفر، وصنف وقف مترددا بين الكفر والإيمان، وهؤلاء هم المنافقون.
ذلك ؛ لأن الرسول حين يبعث إنما يبعث لتغيير وضع اجتماعي بلغ من السوء درجة لا يحتملها الناس، فالذي يعاني من هذا الوضع ينتظر هذا الرسول الجديد، فما أن يبعث حتى يبادر إلى الإيمان به ؛ لأنه جاء بمبادىء جديدة، لا ظلم فيها، ولا قهر، ولا استبداد، ولا رشوة، ولا فساد.
إذن : من عضته هذه الأحداث، وشقى بهذا الفساد سارع إلى الإيمان، وكذلك آمن أهل مصر، وما إن دخلها الإسلام حتى أسرعوا إليه، لماذا ؟ لأنهم شقوا قبله بحكم الرومان، وكذلك آمن الفرس بمجرد أن سمعوا بالإسلام، ورأوا الأسوة الحسنة في المسلمين بعد أن عضهم فساد غير المسلمين.
ساعة يشقى الناس بفساد الأوضاع يتطلعون إلى منقذ،
فإن جاءهم اتبعوه. خاصة إن كان منهم وله فيهم ماض مشرف لم يجربوا عليه كذبا ولانقيصة.
وهذا ما رأيناه مثلا في قصة إسلام سيدنا أبي بكر، فما أن أعلن محمد أنه رسول الله حتى سارع إلى الإيمان به دون أن يسأله عن شيء، لماذا ؟ لأنه عرف صدقه، وعرف أمانته، ووثق من ذلك.
ومثله كان إيمان السيدة خديجة رضي الله عنها فما إن جاءها رسول الله مضطربا مما لاقى من نزول الملك عليه حتى احتضنته، وهدأت من روعه، وأنصفته، وذهبت به إلى ورقة بن نوفل لتثبت له أنه على الحق، وأن الله تعالى لن يسلمه ولن يتخلى عنه.
وكان مما قالت : " والله إنك لتقرى الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعينه على نوائب الدهر... ".
لذلك قال العلماء : إن السيدة خديجة كانت أول فقيهة في الإسلام قبل أن ينزل الإسلام.
وطبيعي أن يكون أهل الفساد والمستفيدون منه على النقيض، فهم ينتفعون بالفساد والاستبداد، ويريدون أن تظل لهم سيادتهم ومكانتهم، وإن يظل الناس عبيدا لهم، يأكلن خيراتهم ويستذلونهم.
وهؤلاء الذين استعبدوا الناس، وجعلوا من أنفسهم سادة بل آلهة، ويعلمون أن الرسول ما جاء إلا للقضاء على سيادتهم وألوهيتهم الكاذبة، هؤلاء لا بد أن يصادموا الدعوة، لا بد أن يكفروا بها، وأن يحاربوها، حفاظا على سيادتهم وسلطتهم الزمنية.
وعجيب أن نرى من عامة الناس من ألف هذه العبودية، ورضي هذه المذلة، واكتفى بأن يعيش في كنف هؤلاء السادة مهما كانت التبعات، هؤلاء وأمثالهم هم الذين قالوا : وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ( ٣١ ) [ الزخرف ]
فبعد أن جاءهم الرسول المنقذ ما زالوا يتطلعون إلى عظيم يستعبدهم.
وكل من هذين الفريقين ( المؤمن، والكافر ) كان منطقيا مع نفسه، فالمؤمن آمن بقلبه، ونطق بلسانه، والكافر كفر بقلبه، وكفر بلسانه، ، لأنه لم ينطق بكلمة التوحيد، والإنسان قلب وقالب، ولا بد في الإيمان أن يوافق القالب ما في القلب.
أما الصنف الثالث وهو المنافق، فليس منطقيا مع نفسه، لأنه آمن بلسانه، ولم يؤمن بقلبه، فهو جبان يظهر لك الحب، ويضمر الكره ؛ لذلك جعلهم الله في الدرك الأسفل من النار.
لذلك، فالعرب لما سألهم رسول الله أن يقولوا : لا إله إلا الله، ليبطل بها سيادة زعماء الكفر أبوا أن يقولوها، لماذا ؟ لأنهم يعلمون أنها ليست كلمة تقال، إنما لها تبعات، ويترتب عليها مسئوليات لا يقدرون هم على القيام بها، ولو أنها كلمة تقال لقالوها، وانتهى العداء بينهم وبين رسول الله.
فمعنى لا إله إلا الله : لا عبودية إلا لله، ولا خضوع إلا لله، ولا تشريع إلا لله، ولا نافع إلا الله.... إلخ، وكيف تستقيم هذه المعاني مع من ألف العبودية والخضوع لغير الله ؟
والحق تبارك وتعالى لما تكلم هنا عن المنافقين خص المدينة، فقال سبحانه لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ.. ( ٦٠ ) [ الأحزاب ] فالنفاق لم يظهر في مكة، وهي معقل الكفر والأصنام، إنما ظهر في المدينة، وهي التي آوت مهاجري رسول الله، وكان غالبية أهلها من أهل الكتاب، وهم أقرب إلى الإيمان من الكفار، فلماذا هذه الظاهرة ؟
قالوا : لأن الإسلام كان ضعيفا في مكة، وصار قويا في المدينة، فالنفاق ظاهرة صحية للإسلام ؛ لأنه لولا قوته ما نافقه المنافقون، فظهور النفاق في المدينة دليل على قوة الإسلام فيها، وأنه صارت له شوكة، وصارت له سطوة ؛ لذلك نافق ضعاف الإيمان ؛ ليأخذوا خير الإسلام، وليحتموا بحماه، وإلا فالضعيف لا ينافق.
نعم، ظهر النفاق في المدينة التي قال ا لله في حق أهلها : وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ.. ( ٩ ) [ الحشر ]
ويقول عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها ".
وأيضا القرآن هو الذي قال عن أهل المدينة : وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ.. ( ١٠١ ) [ التوبة ] وهذا ليس استضعافا للمدينة، إنما إظهار لقوة الإسلام فيها، بحيث أصبحت له سطوة وقوة تنافق.
هنا قوله تعالى : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ... ( ٦٠ ) ؛ [ الأحزاب ] ساعة تسمع لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ.. ( ٦٠ ) [ الأحزاب ] فأعلم أن الله تعالى أقسم بشيء، وهذا القول هو جواب القسم، والحق سبحانه لا يقسم إلا على الشيء العظيم، ونحن البشر نقسم لنؤكد كلامنا، كما تقول : والله إن ما حدث من فلان كذا وكذا سأفعل كذا وكذا.
أما الحق سبحانه، فكلامه صادق ونافذ دون قسم، فما بالك إن أقسم ؟ لذلك يقول بعض العارفين إذا سمع الله تعالى يقسم : من أغضب الكريم حتى ألجأه أن يقسم ؟
كلمة الْمُنَافِقُونَ... ( ٦٠ ) [ الأحزاب ] مفردها منافق، مأخوذ من نافقاء اليربوع، واليربوع حيوان صغير يشبه الفأر، يعرفه أهل البادية، يعيش في جحور، فيترصدونه ليصطادوه ساعة يخرج من جحره، لكن هذا الحيوان الصغير فيه لؤم ودهاء، فماذا يفعل ؟ يجعل لجحرة مدخلين، واحد معروف، والآخر مستتر بشيء، فإذا أحس بالصياد على هذا المدخل ذهب إلى المدخل الآخر ؛ لذلك أشبه المنافق تماما الذي له قلب كافر ولسان مؤمن.
وتلحظ أن المنافقين وصفهم الله هنا بصفات ثلاث الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ.. ( ٦٠ ) [ الأحزاب ] فالعطف هنا لا يقتضي المغايرة، إنما عطف صفات مختلفة لشيء واحد، وجاءت هذه الصفات مستقلة ؛ لأنها أصبحت من الوضوح فيهم، بحيث تكاد تكون نوعا منفردا بذاته.
وقد وصف القرآن في موضع آخر المنافقين بأن في قلوبهم مرضا فقال سبحانه : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ( ٨ ) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ( ٩ ) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ( ١٠ )
وفي هذا دليل على أن الواو هنا أفادت عطف صفة على صفة، لا طائفة على طائفة، ومثله العطف في قوله تعالى : وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ.. ( ٩ ) [ الحشر ] فالدار أي المدينة، وكذلك الإيمان يراد به المدينة أيضا.
ومعنى الْمُرْجِفُونَ.. ٦٠ [ الأحزاب ] المرجف من الإرجاف، وهو الهزة العنيفة التي تزلزل، ومنه قوله تعالى : يوم ترجف الراجفة ( ٦ ) تتبعها الرادفة( ٧ ) [ النازعات ] فالمرجفون هم الذين يحاولون زلزلة الشيء الثابث، وزعزعة الكيان المستقر، كذلك كان المنافقون كلما رأوا للإسلام قوة حاولوا زعزعتها وهزها لإضعافه والقضاء عليه.
وهؤلاء هم الذين نسميهم في التعبير السياسي الحديث ( الطابور الخامس )، وهم الجماعة الذين يروجون الإشاعات، ويذيعون الأباطيل التي تضعف التيار العام وتهدد استقراره.
وكثيرا ما قعد المنافقون يقولون : إن قبيلة فلان وقبيلة فلان اجتمعوا للهجوم على المدينة والقضاء على محمد ورسالته، وهدفهم من هذه الإشاعات إضعاف وهزيمة الروح المعنوية لدى المسلمين الجدد والمستضعفين منهم.
حتى على مستوى الأفراد، كانوا يذهبون إلى من يفكر في الإسلام، أويرون أنه ارتاح إليه، فيقولون له : ألم تعلم أن فلانا أخذ قومه أو أخذه سيده وعذبه حتى الموت لأنه اتبع محمدا، ذلك ليصرفوا الناس عن دين الله.
إذن : المرجف يعني الذي يمشي بالفتنة والأكاذيب ؛ ليصرف أهل الحق عن حقهم، بما يشيع من بهتان وأباطيل.
لذلك يهددهم الحق سبحانه : لئن لم ينته هؤلاء المنافقون عن الإرجاف في المدينة وتضليل الناس ليكونن لنا معهم شأن آخر، كان هذا وقت مهادنة ومعاهدة بين المسلمين واليهود وأتباعهم من المنافقين، وكأن الله تعالى يقول : لقد سكتنا على جرائمهم إلى أن قويت شوكة الإسلام، أما وقد صار للإسلام شوكة فإن نقضوا عهدهم معنا فسوف نواجههم.
وعجيب من هؤلاء المرجفين أن يظنوا أن الله لا يعلم أباطيلهم، ولا يعلمها رسوله، والله تعالى يقول : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ ( ٢٩ ) وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ( ٣٠ ) [ محمد ] ومعنى لحن القول : أن يميلوا بالكلام عن غير معناه، ومن ذلك قولهم في السلام على رسول الله : السام عليكم، والسام هو الموت، وكما لووا ألسنتهم بكلمة ( راعنا ) فقالوا : راعونا يقصدون الرعونة.
وأغرب من ذلك ما حكاه القرآن عنهم : وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ.. ( ٨ ) [ المجادلة ].
فهذا القول منهم دليل على غبائهم. أولا : لأنهم يتمنون العذاب.
ثانيا : لأنهم قالوا ذلك في أنفسهم لم يقولوا للناس، ولم يقولوا حتى لبعضهم البعض، لأن ( يقولون ) جمع، و ( في أنفسهم ) جمع، فكأن كلا منهم كان يقول ذلك في نفسه.
إذن : ألم يسأل واحد منهم نفسه : من الذي أعلم رسول الله بما في نفسي ؟ ألا يدل ذلك على أن محمدا موصول بربه، وأنه لا بد فاضحهم، وكاشف مكنونات صدورهم، إذن : هذا غباء منهم.
والمتتبع لتاريخ اليهود والمنافقين في المدينة يجد أن الإسلام لم يأخذهم على غرة، إنما أعطاهم العهد وأمنهم ووسع لهم في المسكن والمعيشة طالما لم يؤذوا المسلمين، لكن بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم يتناجون بالإثم والعدوان، فبعث إليهم ونهاهم عن التناجي بالإثم والعدوان، لكنهم عادوا مرة أخرى، ك
تفسير الشعراوي
الشعراوي