ﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱ

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥٩:ومن الأدلّة القرآنيّة على احتجاب المرأة وسترها جميع بدنها حتى وجهها، قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لأزْواجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ [ الأحزاب : ٥٩ ]، فقد قال غير واحد من أهل العلم : إن معنى : يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ : أنهن يسترن بها جميع وجوههن، ولا يظهر منهن شيء إلا عين واحدة تبصر بها، وممن قال به : ابن مسعود، وابن عباس، وعبيدة السلماني وغيرهم.
فإن قيل : لفظ الآية الكريمة، وهو قوله تعالى : يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ، لا يستلزم معناه ستر الوجه لغة، ولم يرد نص من كتاب، ولا سنّة، ولا إجماع على استلزامه ذلك، وقول بعض المفسّرين : إنه يستلزمه معارض بقول بعضهم : إنه لا يستلزمه، وبهذا يسقط الاستدلال بالآية على وجوب ستر الوجه.
فالجواب : أن في الآية الكريمة قرينة واضحة على أن قوله تعالى فيها : يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ، يدخل في معناه ستر وجوههنّ بإدناء جلابيبهنّ عليها، والقرينة المذكورة هي قوله تعالى : قُل لأزْواجِكَ ، ووجوب احتجاب أزواجه وسترهن وجوههن، لا نزاع فيه بين المسلمين. فذكر الأزواج مع البنات ونساء المؤمنين يدلّ على وجوب ستر الوجوه بإدناء الجلابيب، كما ترى.
ومن الأدلّة على ذلك أيضًا : هو ما قدمنا في سورة «النور »، في الكلام على قوله تعالى : وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا [ النور : ٣١ ]، من أن استقراء القرآن يدلّ على أن معنى : إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا الملاءة فوق الثياب، وأنه لا يصحّ تفسير : إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا بالوجه والكفين، كما تقدّم إيضاحه.
واعلم أن قول من قال : إنه قد قامت قرينة قرآنيّة على أن قوله تعالى : يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ [ الأحزاب : ٥٩ ]، لا يدخل فيه ستر الوجه، وأن القرينة المذكورة هي قوله تعالى : ذالِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ [ الأحزاب : ٥٩ ]، قال : وقد دلّ قوله : أَن يُعْرَفْنَ على أنهنّ سافرات كاشفات عن وجوههن ؛ لأن التي تستر وجهها لا تعرف باطل، وبطلانه واضح، وسياق الآية يمنعه منعًا باتًّا ؛ لأن قوله : يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ، صريح في منع ذلك.
وإيضاحه : أن الإشارة في قوله : ذالِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ راجعة إلى إدنائهن عليهن من جلابيبهن، وإدناؤهن عليهن من جلابيبهن، لا يمكن بحال أن يكون أدنى أن يعرفن بسفورهن، وكشفهن عن وجوههن كما ترى، فإدناء الجلابيب مناف لكون المعرفة معرفة شخصية بالكشف عن الوجوه كما لا يخفى.
وقوله في الآية الكريمة : لأزْواجِكَ دليل أيضًا على أن المعرفة المذكورة في الآية، ليست بكشف الوجوه ؛ لأن احتجابهن لا خلاف فيه بين المسلمين.
والحاصل : أن القول المذكور تدلّ على بطلانه أدلّة متعدّدة :
الأول : سياق الآية كما أوضحناه آنفًا.
الثاني : قوله : لأزْواجِكَ كما أوضحناه أيضًا.
الثالث : أن عامّة المفسّرين من الصحابة فمن بعدهم فسّروا الآية مع بيانهم سبب نزولها، بأن نساء أهل المدينة كن يخرجن بالليل لقضاء حاجتهن خارج البيوت، وكان بالمدينة بعض الفسّاق يتعرّضون للإماء، ولا يتعرّضون للحرائر، وكان بعض نساء المؤمنين يخرجن في زي ليس متميّزًا عن زي الإماء، فيتعرّض لهن أولئك الفساق بالأذى ظنًّا منهم أنهن إماء، فأمر اللَّه نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يتميّزن في زيهن عن زي الإماء، وذلك بأن يدنين عليهن من جلابيبهن، فإذا فعلن ذلك ورآهن الفساق، علموا أنهن حرائر، ومعرفتهم بأنهن حرائر لا إماء هو معنى قوله : ذالِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ [ الأحزاب : ٥٩ ]، فهي معرفة بالصفة لا بالشخص. وهذا التفسير منسجم مع ظاهر القرآن، كما ترى. فقوله :
يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ [ الأحزاب : ٥٩ ]، لأن إدنائهن عليهن من جلابيبهن يشعر بأنهن حرائر، فهو أدنى وأقرب لأن يعرفن، أي : يعلم أنهن حرائر، فلا يؤذين من قبل الفساق الذين يتعرّضون للإماء، وهذا هو الذي فسّر به أهل العلم بالتفسير هذه الآية، وهو واضح، وليس المراد منه أن تعرض الفساق للإماء جائز هو حرام، ولا شك أن المتعرضين لهن من الذين في قلوبهم مرض، وأنهم يدخلون في عموم قوله : وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ [ الأحزاب : ٦٠ ]، في قوله تعالى : لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ في الْمَدِينَةِ لَنُغرِيَنَّكَ بِهِمُ ، إلى قوله : وَقُتّلُواْ تَقْتِيلاً [ الأحزاب : ٦٠-٦١ ].
ومما يدلّ على أن المتعرض لما لا يحل من النساء من الذين في قلوبهم مرض، قوله تعالى : فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ [ الأحزاب : ٣٢ ] الآية، وذلك معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الأعشى :

حافظ للفرج راض بالتقى ليس ممن قلبه فيه مرض
وفي الجملة : فلا إشكال في أمر الحرائر بمخالفة زي الإماء ليهابهنّ الفساق، ودفع ضرر الفساق عن الإماء لازم، وله أسباب أُخر ليس منها إدناء الجلابيب.
تنبيه
قد قدّمنا في سورة «بني إسرائيل »، في الكلام على قوله تعالى : إِنَّ هَذَا القرآن يِهْدِى لِلَّتِي هي أَقْوَمُ [ الإسراء : ٩ ]، أن الفعل الصناعي عند النحويين ينحل عن مصدر وزمن ؛ كما قال ابن مالك في «الخلاصة » :
المصدر اسم ما سوى الزمان من مدلولي الفعل كأمن من أمن
وأنه عند جماعات من البلاغيين ينحل عن مصدر، وزمن ونسبة.
وإذا علمت ذلك، فاعلم أن المصدر والزمن كامنان في مفهوم الفعل إجماعًا، وقد ترجع الإشارات والضمائر تارة إلى المصدر الكامن في مفهوم الفعل، وتارة إلى الزمن الكامن فيه.
فمثال رجوع الإشارة إلى المصدر الكامن فيه، قوله تعالى هنا : يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ ، ثم قال : ذالِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ [ الأحزاب : ٥٩ ]، أي : ذلك الإدناء المفهوم من قوله : يُدْنِينَ .
ومثال رجوع الإشارة للزمن الكامن فيه قوله تعالى : وَنُفِخَ في الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمَ الْوَعِيدِ [ ق : ٢٠ ]، فقوله : ذالِكَ يعني زمن النفخ المفهوم من قوله : وَنُفِخَ ، أي : ذلك الزمن يوم الوعيد.
ومن الأدلّة على أن حكم آية الحجاب عام هو ما تقرّر في الأصول، من أن خطاب الواحد يعمّ حكمه جميع الأُمّة، ولا يختص الحكم بذلك الواحد المخاطب، وقد أوضحنا هذه المسألة في سورة «الحجّ »، في مبحث النهي عن لبس المعصفر، وقد قلنا في ذلك ؛ لأن خطاب النبيّ صلى الله عليه وسلم لواحد من أُمّته يعمّ حكمه جميع الأُمة، لاستوائهم في أحكام التكليف، إلا بدليل خاص يجب الرجوع إليه، وخلاف أهل الأصول في خطاب الواحد، هل هو من صيغ العموم الدالَّة على عموم الحكم ؟ خلاف في حال لا خلاف حقيقي، فخطاب الواحد عند الحنابلة صيغة عموم، وعند غيرهم من المالكية والشافعية وغيرهم، أن خطاب الواحد لا يعمّ ؛ لأن اللفظ للواحد لا يشمل بالوضع غيره، وإذا كان لا يشمله وضعًا، فلا يكون صيغة عموم. ولكن أهل هذا القول موافقون على أن حكم خطاب الواحد عام لغيره، ولكن بدليل آخر غير خطاب الواحد وذلك الدليل بالنص والقياس.
أمّا القياس فظاهر، لأن قياس غير ذلك المخاطب عليه بجامع استواء المخاطبين في أحكام التكليف من القياس الجلي. والنص كقوله صلى الله عليه وسلم في مبايعة النساء :«إني لا أصافح النساء، وما قولي لامرأة واحدة إلا كقولي لمائة امرأة ».
قالوا : ومن أدلّة ذلك حديث :«حكمي على الواحد حكمي على الجماعة ». قال ابن قاسم العبادي في الآيات البيّنات : اعلم أن حديث «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة »، لا يعرف له أصل بهذا اللفظ، ولكن روى الترمذي، وقال : حسن صحيح. والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، قوله صلى الله عليه وسلم في مبايعة النساء :«إني لا أصافح النساء »، وساق الحديث كما ذكرناه، وقال صاحب كشف الخفاء ومزيل الإلباس، عمّا اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس :«حكمي على الواحد حكمي على الجماعة »، وفي لفظ :«كحكمي على الجماعة »، ليس له أصل بهذا اللفظ ؛ كما قاله العراقي في تخريج أحاديث البيضاوي. وقال في «الدرر » كالزركشي : لا يعرف. وسئل عنه المزي والذهبي فأنكراه، نعم يشهد له ما رواه الترمذي والنسائي من حديث أُميمة بنت رقيقة، فلفظ النسائي :«ما قولي لامرأة واحدة إلا كقولي لمائة امرأة »، ولفظ الترمذي :«إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة »، وهو من الأحاديث التي ألزم الدارقطني الشيخين بإخراجها لثبوتها على شرطهما، وقال ابن قاسم العبادي في «شرح الورقات الكبير » :«حكمي على الواحد » لا يعرف له أصل إلى آخره، قريبًا مما ذكرناه عنه، انتهى.
قال مقيّده عفا اللَّه عنه وغفر له : الحديث المذكور ثابت من حديث أُميمة بنت رقيقة بقافين مصغّرًا، وهي صحابية من المبايعات، ورقيقة أُمّها، وهي أخت خديجة بنت خويلد، وقيل : عمتها، واسم أبيها بجاد بموحدة ثم جيم، ابن عبد اللَّه بن عمير التيمي، تيم بن مرّة. وأشار إلى ذلك في «مراقي السعود »، بقوله :
خطاب واحد لغير الحنبل من غير رعى النص والقيس الجلي
انتهى محل الغرض منه.
وبهذه القاعدة الأصولية التي ذكرنا، تعلم أن حكم آية الحجاب عام، وإن كان لفظها خاصًّا بأزواجه صلى الله عليه وسلم ؛ لأن قوله لامرأة واحدة من أزواجه، أو من غيرهن كقوله لمائة امرأة، كما رأيت إيضاحه قريبًا.
ومن الأدلّة القرآنيّة الدالَّة على الحجاب، قوله تعالى : وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النّسَاء اللاَّئِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرّجَاتِ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عِلِيمٌ [ النور : ٦٠ ] ؛ لأن اللَّه جلَّ وعلا بيَّن في هذه الآية الكريمة أن القواعد أي العجائز اللاتي لا يرجون نكاحًا، أي : لا يطعمن في النكاح لكبر السن وعدم حاجة الرجال إليهن يرخص لهن برفع الجناح عنهن في وضع ثيابهنّ، بشرط كونهن غير متبّرجات بزينة، ثمّ إنه جلَّ وعلا مع هذا كله قال : وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ [ النور : ٦٠ ]، أي : يستعففن عن وضع الثياب خير لهن، أي : واستعفافهن عن وضع ثيابهن مع كبر سنهنّ وانقطاع طمعهن في التزويج، وكونهن غير متبرّجات بزينة خير لهن.
وأظهر الأقوال في قوله : أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ ، أنه وضع ما يكون فوق الخمار، والقميص من الجلابيب، التي تكون فوق الخمار والثياب.
فقوله جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة : وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ [ النور : ٦٠ ]، دليل واضح على أن المرأة التي فيها جمال ولها طمع في النكاح، لا يرخّص لها في وضع شيء من ثيابها ولا الإخلال بشيء من التستّر بحضرة الأجانب.
وإذا علمت بما ذكرنا أن حكم آية الحجاب عام، وأن ما ذكرنا معها من الآيات فيه ال

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - أضواء البيان

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير