ﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱ

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٦٠:الربع الثالث من الحزب الثالث والأربعين في المصحف الكريم
عند بداية هذا الربع وجه كتاب الله إنذارا صريحا إلى العناصر المندسة بين المؤمنين في مدينة الرسول وعاصمة الإسلام الأولى، محذرا تلك العناصر من عواقب نشاطها الهدام، البارز فيما تقوم به من دس جلي أو خفي، وتمسك بالانحراف الخلقي الذي اعتادته في الجاهلية، وبث للبلبلة في صفوف المجتمع الإسلامي الناشئ، عن طريق ترويج الإشاعات الكاذبة، والدعايات الانهزامية المتكررة، كلما قام الرسول والمؤمنون بالدفاع عن كيان الإسلام، الذي لا يزال مهددا من طرف أحزاب الشرك والكفر في الداخل والخارج، وقد أقسم كتاب الله على هذا الإنذار الإلهي الخطير، وهو يخاطب رسوله الأعظم إذ قال : لئن لم ينته المنافقون، والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم، ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ( ٦٠ )ملعونين . و( الارجاف ) هو إشاعة الكذب والباطل بقصد التماس الفتنة وتهييج الخواطر، وتثبيط الهمم، وشل العزائم، والمراد بقوله تعالى : لنغرينك بهم ، أي : لنسلطنك عليهم، فتنزل بهم ما هم أهل له من العقاب، و( اللعنة ) هي الطرد من رحمة الله، قال جار الله الزمخشري ( والمعنى- لئن لم ينته المنافقون عن عداوتهم وكيدهم، والفسقة عن فجورهم، والمرجفون عما يلفقون من أخبار السوء- لنأمرنك بأن تفعل بهم الأفاعيل التي تسوءهم، ثم بأن تضطرهم إلى طلب الجلاء عن المدينة، وإلى أن لا يساكنوك فيها ) وإنما عطف ( بثم ) ( ثم لا يجاورونك فيها ) لأن و قع الجلاء عن الوطن أعظم من جميع ما يصابون به، فتراخت حاله عن حال المعطوف عليه.
ومن تسليط الله لنبيه عليهم وإغرائه له بهم، علاوة على النفي والتشريد، تهديدهم إن لم ينتهوا عن موقفهم المريب، ويكفوا عن نشاطهم الهدام، بوضع اليد عليهم حيثما وجدوا متلبسين بالجريمة، وتعريض أنفسهم للاعتقال والقتل أينما ذهبوا، جزاء تعريضهم ( سلامة الدولة الإسلامية ) الناشئة للخطر، وذلك قوله تعالى في نفس السياق : أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا( ٦١ ) ، ثم قال تعالى : سنة الله في الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا( ٦٢ ) ، تأكيدا لناموس الحياة الذي عرفته البشرية من أقدم العصور، في الدفاع عن سلامتها ضد الأخطار المحدقة بها، وقيامها بعزل العناصر الهدامة، وتقليم أظفارها، كلما أصبح نشاطها يشكل خطرا محققا عليها. قال أبو حيان :( والظاهر أن المنافقين انتهوا عما كانوا يؤذون به الرسول والمؤمنين، وتستر جميعهم وكفوا، خوفا من أن يقع بهم ما وقع القسم عليه، وهو الإغراء والجلاء، والأخذ والقتل ).
غير أنهم لم يمتثلوا للانتهاء امتثالا عاما وشاملا، ولم تزل تبدو منهم نزوات، وتفلت منهم فلتات، فيتعرضون من أجلها لمعاملة استثنائية، دون أن ينفذ عليهم الوعيد الذي هم متوعدون به كاملا، ومن وجوه تلك المعاملة الاستثنائية إخراجهم من المسجد النبوي في بعض الأحيان، وعدم إقامة صلاة الجنازة على موتاهم، مصداقا لقوله تعالى : ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ، وما أنزل من الآيات للكشف عن مواقفهم في عدة وقائع ومواقع، ولا سيما ما نزل في حقهم في سورة التوبة.
ويلاحظ أن رسول الله تفادى عقابهم بالقتل، وإن كان هذا العقاب مسموحا به مبدئيا، بمقتضى قوله تعالى هنا : أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا ، لأنهم كانوا مندسين في غمار أصحابه وعامتهم، ولو حكم بقتل أحدهم لاختلط الأمر فيه على الناس، ولتحدث المرجفون أن محمدا يقتل أصحابه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يترفع عن ذلك.


التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير