سئل رسول الله كثيرا عن الساعة، والسؤال ظاهرة صحية إذا كان في الأمر التكليفي، لأن السؤال عن التكاليف الشرعية دليل على أن السائل آمن برسول الله، وأحب التكليف، فأراد أن يبني حركة حياته على أسس إسلامية من البداية.
فعلى فرض أن الإسلام جاء على أشياء كانت متوارثة من الجاهلية فأقرها الإسلام، فيأتي من يسأل عن رأي الإسلام فيها حرصا منه على سلامة دينه وحركة حياته.
لكن أراد الحق سبحانه أن يهون المسائل على الناس، فقال سبحانه : يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم.. ( ١٠١ ) [ المائدة ].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " دعوني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم " ١.
إذن : السؤال المطلوب هو السؤال عن الأمور التكليفية التي تهم المسلم، حتى وإن كانت من أمور الجاهلية، وقد أقر الإسلام كثيرا منها، فالدية مثلا في الإسلام جاءت من جذور كانت موجودة عند الجاهليين وأقرها الإسلام، وقد أمر الله تعالى المسلم بأن يسأل عن مثل هذه المسائل في قوله تعالى : فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ( ٤٣ ) [ النحل ].
أما السؤال عن الساعة، فالساعة أمر غيبي لا يعلمه إلا الله، فهو سؤال لا جدوى منه، لذلك لما سئل رسول الله : متى الساعة ؟ قال للسائل : " وماذا أعددت لها " ٢ فأخذه إلى ما ينبغي له أن يسأل عنه ويهتم به،
وهذه الآية الكريمة يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ.. ( ٦٣ ) [ الأحزاب ] جاءت بعد معركة الإيذاء لله تعالى، والإيذاء لرسوله وللمؤمنين به، هذا الإيذاء جاء ممن لا يؤمنون بالسماء، ولا يؤمنون بالله، ولا يؤمنون بالبلاغ عن الله بواسطة رسوله.
وإيذاء هؤلاء لله تعالى في الحقيقة إيذاء لأنفسهم، لأنه لا يصل إلى الله تعالى، والله يريد لهم الخير، لأنهم عباده وصنعته، فحين يخرجون على منهجه فإنما يؤذون أنفسهم، أما إيذاؤهم لرسول الله فقد آذوه صلى الله عليه وسلم في أهله وفي نفسه، فقد تعرضوا له صلى الله عليه وسلم بما يتأبى عنه أي إنسان كريم، آذوه بالقول وبالفعل، ومع ذلك صبر صلى الله عليه وسلم، وصبر أصحابه، وقد أذوا في أنفسهم وفي أموالهم.
والمتأمل يجد أن هذا الإيذاء مقصود وله فلسفة، فقد أراده الله تعالى ليمحص المؤمنين، وليرى وهو أعلم سبحانه من يثبت على الإيمان، لذلك قال تعالى : أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ( ٢ ) [ العنكبوت ].
وسبق أن أوضحنا أن الإيمان ليس كلمة تقال، إنما الإيمان مسئولية وعمل، ولهذا السبب امتنع كفار مكة عن النطق بكلمة الإيمان، لأنهم يعلمون حقيقتها، وهم أهل الإيمان وفهم للأساليب وللمعاني.
وثبات سيدنا رسول الله وصبره هو والذين آمنوا معه دليل على أنهم أجروا مقارنة بين هذا الإيذاء في الدنيا من بشر له قدرة محدودة، وإيذاء الله سبحانه في الآخرة، وهذا إيذاء يناسب قدرته تعالى، ولا يمكن أن يفر منه أحد.
إذن : نقول : إن للإيذاء فلسفة مقصودة، وإلا فقد كان من الممكن أن يأخذ الله أعداء دينه أخذ عزيز مقتدر، كما أخذ قوم نوح بالطوفان، وقوم فرعون بالغرق، وكما خسف بقارون الأرض، لكن أراد سبحانه أن يعذب هؤلاء بأيدي المؤمنين وبأيدي رسول الله، وربما لو نزلت بهم أخذة عامة لقالوا : آية كونية كالزلازل والبراكين مثلا، لذلك قال تعالى مخاطبا المؤمنين : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ.. ( ١٤ ) [ التوبة ].
ثم يصبر الحق سبحانه نبيه ويسليه : فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ( ٧٧ ) [ غافر ]
إذن : رد الحق سبحانه على هذا الإيذاء جاء على نوعين : نوع في الدنيا بأن ينصر الله نبيه عليهم، كما بشره الله بقوله : سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ( ٤٥ ) [ القمر ].
والآخر رد أخروي يوم القيامة، لذلك قال تعالى : يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ.. ( ٦٣ ) [ الأحزاب ].
والسؤال الذي سئله رسول الله صلى الله عليه وسلم كان متوجها إلى أمرين : الأول : إعجازي لأنهم كانوا يعلمون من كتبهم وأنبيائهم بعض الأمور، فيريدون أن يحرجوا بها رسول الله حين يسألونه عنها، فلم يجدوا جوابا، وهم يعرفون أن رسول الله أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولم يجلس أبدا إلى معلم، لكن الحق سبحانه كان يسعف رسوله ويعلمه الجواب، فيجيب عليهم الجواب الصحيح، فيموتون غيظا، ويتحكمون في أي مسألة ليثبتوا لأنفسهم أن محمدا لا يعلمها.
من ذلك مثلا سؤالهم عن أهل الكهف : كم لبثوا ؟ فأجابهم الله تعالى : ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا ( ٢٥ ) [ الكهف ] فقالوا : نحن نعلم أنها ثلاثمائة، فمن أين هذه الزيادة ؟ وجهلوا أن توقيت المناسك الإلهية في الدين إنما يقوم على التقويم الهلالي لا على حركة الشمس، لأن مقتضى ما تعطيه لنا الشمس أن نعلم بها بداية اليوم ونهايته، لكن لا نعرف بها أول الشهر ولا آخره.
أما التوقيت العربي الهلالي، فله علامة مميزة هي ظهور الهلال أول الشهر، وإذا ما قارنت بين التقويم الهلالي والتقويم الميلادي تجد أن كل سنة هجرية تنقص أحد عشر يوما عن السنة الشمسية، فالثلاثمائة سنة الميلادية تساوي في السنة الهجرية ثلاثمائة وتسعة.
فكأنهم أرادوا تجهيل محمد، فنبههم الله إلى أنهم هم الجهلة. وعجيب أن يعترض اليهود على هذا التوقيت، مع أنه التوقيت العبادي لسيدنا موسى عليه السلام، ألم يقل سبحانه : وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ.. ( ١٤٢ ) [ الأعراف ].
إذن : فقوله تعالى : وازدادوا تسعا ( ٢٥ ) [ الكهف ] فيه إعجاز أدائي بليغ، يدل على أن التسع سنين إنما جاءت زيادة من داخل الثلاثمائة، وليست خارجة عنها.
ثم سألوه عن رجل جوال، فأنزل الله : ويسألونك عن ذي القرنين.. ( ٨٣ ) [ الكهف ].
فكان ينبغي أن يلفتهم ذلك إلى صدق محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يسألوا أنفسهم : من أين له هذا العلم، وهو الأمي الذي لم يجلس مرة إلى معلم ؟
لذلك قلنا : إن الأمية عيب كل إنسان، إلا أنها كانت شرفا وميزة في رسول الله بالذات، لأنها تعني في حق رسول الله أنه لم يعلمه بشر كما اتهموه، إنما علمه ربه.
كذلك كانت الأمة التي نزل فيها القرآن أمة أمية، وهذا أيضا شرف في حقها، فلو أن هذه الأمة كانت أمةعلم وثقافة لقالوا عن الإسلام : إنه قفزة حضارية، لكنها كانت أمة أمية يسودها النظام القلبي، فلكل قبيلة قانونها ونظامها، ولكل قبيلة رئيسها، ومع ذلك خرج منهم من جاء بنظام عدم الصلح لسياسة الدنيا كلها، إلى أن تقوم الساعة، وهذا لا يتأتى إلا بمنهج إلهي.
إذن : الأمية في العرب شرف، وعجزهم عن محاكاة القرآن، والإتيان بمثله أيضا شرف لهم، فكون الحق سبحانه يتحداهم بأسلوب القرآن دليل على عظمتهم في هذا المجال، وإلا فأنت لا تتحدى الضعيف إنما تتحدى القوى في مجال التحدي، فكأن تحدي الله للعرب شهادة منه سبحانه بأنهم أفصح الخلق، لذلك جاءهم بمعجزة من جنس ما نبغوا فيه.
ثم يسأل اليهود رسول الله عن الساعة يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ.. ( ٦٣ ) [ الأحزاب ] وهم يسألون عن الساعة يعني، عن يوم القيامة، لأنهم ينكرون، ومن مصلحتهم ألا يكون هذا اليوم، حتى لا يقفوا موقف المساءلة والحساب على ما أجرموه في الدنيا من ظلم وشرك وعربدة وسفك للدماء، ولغو في أعراض الناس.
ولو بحث هؤلاء قضية القيامة والحساب بالعقل لا بنصوص القرآن لوجدوا أنها أمر منطقي لا بد أن يحدث، فمثلا نحن عاصرنا الحزب الشيوعي في روسيا سنة ١٩١٧، ورأينا كيف أخذوا الإقطاعيين والرأسماليين وعذبوهم، وفعلوا بهم الأفاعيل، وصادروا ممتلكاتهم جزاء لهم على ظلمهم للناس، وكنا نقول لهم : نعم هذا أمر منطقي أن تقتص من الظالم، لكن ما بال كثير من الظلمة الذين ماتوا أو لم تدركوهم وأفلتوا من قبضتكم ؟
بالله، لو جاء شخص ودلكم على مكان أحد الظلمة هؤلاء، ألستم تحمدون له هذه المساعدة ؟ فكيف به لو قال : بل سأحضره وأحاسبه وأقتص منه، أليست هذه إعانة لكم على مهمة الانتقام من الظالمين ؟
لذلك نقول : كان من الواجب أن يكون الشيوعيون أول الناس إيمانا بيوم القيامة وبالبعث والحساب ليتداركوا من أفلت من أيديهم.
شيء آخر : ألستم تضعون في أي نظام من أنظمتكم الوضعية القوانين المنظمة ؟ ما معنى القانون : القانون قواعد تحدد للمواطن ما له وما عليه، أليس في قوانينكم هذه مبدأ الثواب للمحسن، والعقاب للمقصر ؟
إذن : كل مجتمع لابد أن تكون فيه عناصر خارجة على نظامه، وتستحق العقوبة، فمن استطاع أن يدلس على المجتمع، وأن يداري جريمته ما حظه من العقوبة، وقد استشرى فساده وكثر ظلمه ؟
إذن : لا بد أن نؤمن بقدرة أخرى لا يخفى عليها أحد، ولا يدلس عليها أحد، ولا يهرب منها أحد، قدرة تعرف الخفايا وتفضحها وتحاسب أصحابها. هذه القضية لا بد أن تسوقك إلى فطرية الإيمان بالله تعالى، وأنه سبحانه خبير عالم وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في.. ( ٥٩ ) [ الأنعام ].
لماذا إذن تنكرون القيامة وأنتم في أنظمتكم الدنيوية تجندون الجواسيس والمخابرات، وتحصون همس الناس لمعرفة الذين يحتالون في ألا يراهم القانون ؟ أليس من فضل الله عليكم أنه سبحانه يعلم ما خفي عليكم ويقتص لكم من خصومكم ؟
فقضية القيامة والحساب واضحة بالفطرة، لذلك تجد أن المنكرين لها هم الذين أسرفوا على أنفسهم ويخافون ما ينتظرهم من العقاب في هذا اليوم، ولا يملكون إلا إنكاره وعدم الاعتراف به، وكأن هذا الهروب هو الحل.
وسورة الكهف تعطينا نموذجا لهؤلاء، وهو صاحب الجنة الذي قال : وما أظن الساعة قائمة.. ( ٣٦ ) [ الكهف ] بعد أن أسرف على نفسه وجحد نعمة الله عليه، ولما تنبه وراجع فطرته قال : ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا ( ٣٦ ) [ الكهف ].
فالتكذيب بيوم القيامة هو الأغلب والآكد والشك في ولئن رددت إلى ربي.. ( ٣٦ ) [ الكهف ] يعني : وعلى فرض أني رددت إلى ربي يوم القيامة فسوف يكون لي عنده أفضل مما أعطاني في الدنيا، فكما أكرمني هنا سيكرمني هناك.
وهذا اعتقاد خاطئ وفهم أحمق، فالله تعالى لا يكرم في الآخرة إلا من أكرم نفسه باتباع منهجه في الدنيا، ومن لم يكرم نفسه هنا بمنهج الله لا يكرمه الله في الآخرة.
لذلك كثيرا ما نسمع : دعوت فلم يستجب لي، خصوصا السيدات، جاءتني إحداهن تشتكي أنها توجهت إلى الله بالدعاء، ومع ذلك البنت لم تتزوج والولد كذا والزوج كذا فكنت أقول لها ( كتر خيرك ) أولا أنك عرفت أن لك ربا تفزعين إليه وقت الشدة كما قال سبحانه : فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا.. ( ٤٣ ) [ الأنعام ].
إنما أسألك : هل أنت أجبت الله أولا فيما طلبه منك كي تنتظري منه أن يجيبك إلى ما طلبت ؟ أأجبت الله في شعرك هذا ؟ أأجبت الله في ( شفايفك ) وتغييرك لخلقة الله ؟ فكانت لا تجد جوابا، إلا أن تقول : وال
٢ عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن أعرابيا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: متى الساعة؟ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أعددت لها؟ قال: حب الله ورسوله. قال صلى الله عليه وسلم: أنت مع من أحببت"، أخرجه مسلم في صحيحه (٢٦٣٩)، والبخاري في صحيحه (٦١٦٧، ٦١٧١) وفي لفظ عند البخاري أن الرجل قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله. فقال صلى الله عليه وسلم: "أنت ممن أحببت"..
تفسير الشعراوي
الشعراوي