وإذ أي : واذكر حين أخذنا بعظمتنا من النبيين ميثاقهم أي : عهودهم في تبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القيم في المنشط والمكره وفي تصديق بعضهم لبعض وفي اتباعك فيما أخبرنا به في قولنا : لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتُؤمننّ به ولتنصرنّه ( آل عمران : ٨١ ) وقولهم أقررنا.
ولما ذكر ما أخذ على جميع الأنبياء من العهد في إبلاغ ما يوحى إليهم والعمل بمقتضاه ذكر ما أخذ عليهم من العهد في التبليغ بقوله تعالى : ومنك أي : في قولنا في هذه السورة اتق الله واتبع ما يوحى إليك ( الأحزاب : ١ ٢ ) وفي المائدة : ٦٧ يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس ( المائدة، ٦٧ ) فلا تهتم بمراعاة عدو ولا خليل حقير ولا جليل.
ولما أتم المراد إجمالاً وعموماً وخصه صلى الله عليه وسلم من ذلك العموم مبتدئاً به لقوله صلى الله عليه وسلم :«كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث » بياناً بتشريفه، ولأنه المقصود بالذات أتبعه بقية أولي العزم الذين هم أصحاب الكتب ومشاهير أرباب الشرائع ورتبهم على ترتيبهم في الزمان ؛ لأنه لم يقصد المفاضلة بينهم بالتأسية بالمتقدمين والمتأخرين قال ومن نوح أول الرسل إلى المخالفين وإبراهيم أبي الأنبياء وموسى أول أصحاب الكتب من بني إسرائيل وعيسى بن مريم ختام أنبياء بني إسرائيل، ونسبه إلى أمه مناداة على من ضل فيه بدعوى الألوهية وبالتوبيخ والتسجيل بالفضيحة.
تنبيه : ذكر هذه الخمسة من عطف الخاص على العام كما علم مما تقرر، وقوله تعالى : وأخذنا أي : بعظمتنا في ذلك منهم ميثاقاً غليظاً أي : شديداً بالوفاء بما حملوه وهو الميثاق الأول، وإنما كرر لزيادة وصفه بالغلظ وهو استعارة من وصف الأجرام، والمراد : عظم الميثاق وجلالة شأنه في بابه، وقيل : الميثاق الغليظ اليمين بالله على الوفاء بما حملوه ثم أخذ الميثاق.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني