ثم أبرز كتاب الله مبلغ حلم الحق سبحانه وتعالى ورحمته الواسعة بالخلق، حيث يمهل العصاة من عباده، فلا يستعجلهم بالمؤاخذة والعقاب، ويتخولهم من حين لآخر بالموعظة الحسنة واللوم والعتاب، عسى أن يعودوا إلى جادة الصواب، وذلك قوله تعالى : ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة، ولكن يؤخرهم، إلى أجل مسمى ، فيؤخر كل فرد إلى حلول أجله، وكل أمة إلى حلول ساعتها، والجنس البشري كله إلى حلول الساعة الكبرى، والضمير في : على ظهرها ، يعود على الأرض التي فيها مستقر الناس ومعاشهم، وقد سبق ذكر ( الأرض )، عطفا على السماوات قبل هذه الآية، والمراد ( بالدابة ) هنا كل ما دب فوق الأرض ودرج، بما في ذلك الإنسان والحيوان : فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا( ٤٥ ) ، بصيرا بأحوالهم، بصيرا بأعمالهم، بصيرا بما يستحقه كل فرد من ثواب أو عقاب، قال القشيري في ( لطائف الإشارات ) تعليقا على هذه الآية الكريمة ( لو عجل لهم ما يستوجبونه من الثواب والعقاب لم تف أعمارهم القليلة به، ولم تتسع أيامهم القصيرة له، فأخر ذلك ليوم الحشر، فإنه طويل، والله على كل شيء قدير، وبأمور عباده خبير بصير ).
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري