(ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا) من الذنوب وعملوا من الخطايا (ما ترك على ظهرها) أي الأرض (من دابة) من الدواب التي تدب كائنة ما كانت، أما بنو آدم فلذنوبهم، وأما غيرهم فلشؤم معاصي بني آدم وقيل المراد: ما ترك على ظهر الأرض من دابة تدب من بني آدم، والجن. وقال
صفحة رقم 264
بالأول ابن مسعود وقتادة، وقال بالثاني الكلبي، وقال ابن جريج والأخفش والحسين بن الفضل: أراد بالدابة هنا: الناس وحدهم دون غيرهم.
أخرج الفريابي وغيره عن ابن مسعود قال: إنه كاد الجعل ليعذب في حجره بذنب ابن آدم، ثم قرأ هذه الآية قيل: وجه الملاءمة بين الشرط والجزاء أنه تعالى إذا كان يؤاخذ الناس بما كسبوا كان ينقطع عنهم النعم التي من جملتها المطر، فإذا انقطع عنهم المطر انقطع النبات فيموت جميع الحيوانات فهذا كناية أريد بها الملزوم وقوله: على ظهرها فيه استعارة مكنية قال قتادة: وقد فعل ذلك في زمن نوح، وقال يحيى بن سلام. يحبس الله المطر فيهلك كل شيء (ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى) وهو يوم القيامة.
(فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيراً) أي بمن يستحق منهم الثواب ومن يستحق منهم العقاب وفي هذا تسلية للمؤمنين ووعيد للكافرين والعامل في (إذا) هو: جاء لا (بصيراً).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سورة يس(هي ثلاث أو ثنتان وثمانون آية)
والأول أولى:
وهي مكيّة. قال القرطبي بالإجماع إلا أن فرقة قالت: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) نزلت في بني سلمة من الأنصار حين أرادوا أن يتركوا ديارهم وينتقلوا إلى جوار مسجد رسول الله - ﷺ - وسيأتي بيان ذلك (١).
وعن ابن عباس قال: نزلت بمكة وعن عائشة مثله.
وأخرج الدارمي والترمذي ومحمد بن نصر والبيهقي في الشعب عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -، " إن لكل شيء قلباً وقلب القرآن يس ". من قرأ يس كتب له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات " (٢) قال
_________
(١) قد ذكر أبو سليمان الدمشقي أنها مدنية وقال: ليس بالمشهور.
(٢) اتفق المحدثون على أن من علامات وضع الحديث أن يكون فيه أجر كبير جداً على عمل قليل، فكيف يصح أن من قرأ يس كان له أجر من قرأ القرآن عشر مرات. وهو حديث موضوع أخرجه الترمذي ٤/ ٤٦ والدارمي ٢/ ٤٥٦ وابن كثير في تفسير ٣/ ٥٦٣. صفحة رقم 267
الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حميد بن عبد الرحمن، وفي إسناده هارون أبو محمد، وهو شيخ مجهول.
وفي الباب عن أبي بكر، ولا يصح لضعف إسناده، وأخرج الدارمي وأبو يعلى والطبراني والبيهقي وغيرهم عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: " من قرأ يس في ليلة ابتغاء وجه الله غفر له في تلك الليلة " (١) قال ابن كثير إسناده جيد.
وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والطبراني وابن حبان والحاكم والبيهقي عن معقل بن يسار أن رسول الله - ﷺ - قال: " يس قلب القرآن لا يقرؤها عبد يريد الله والدار والآخرة إلا غفر له ما تقدم من ذنبه، فاقرؤوها على موتاكم " (٢)، وقد ذكر له أحمد إسنادين أحدهما فيه مجهول والآخر ذكر فيه عن أبي عثمان، وقال ليس بالنهدي عن أبيه عن معقل.
وأخرج الطبراني وابن مردويه قال السيوطي: بسند ضعيف عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: " من داوم على قراءة يس كل ليلة ثم مات مات شهيداً ".
_________
(١) ضعيف الجامع ٥٧٩٧ و٥٧٩٨ و٥٧٦٦ و٥٨٠٠ و٥٨٠١.
(٢) قال العلماء: معنى (على موتاكم) أي من حضره الموت، وذلك لكي يسمع ما فيها من آيات التوحيد والبعث والجزاء - عند مفارقته للدنيا.
أما من مات فعلاً فلا يقرأ عليه يس ولا غيرها.
وفي النية أن ننشر في آخر تفسير هذه السورة ملحق به أبحاث طويلة للمنار وغيره يظهر به الحق في هذه المسألة وموقف ابن تيمية وابن القيم منها فليراجع. وقد نقل عن أحمد قوله: " كانت المشيخة يقولون: إذا قرئت عند الميت خفف الله عنه بها.
بسم الله الرحمن الرحيم
يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) صفحة رقم 269فتح البيان في مقاصد القرآن
أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي
عبد الله بن إبراهيم الأنصاري