ﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪ

قال داود بعد اعتراف صاحبه بذلك لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وقيل معناه إن كان الأمر كما تقول فقد ظلمك، والجملة جواب قسم محذوف قصد به المبالغة في إنكار فعل خليطه وتهجين طمعه والسؤال مصدر مضاف إلى مفعوله وتعديته إلى مفعول آخر بإلى لتضمنه معنى الإضافة أي ظلمك بسؤال أن يضيف نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء أي الشركاء الذين خلطوا أموالهم جمع خليط ليبغي أي ليظلم بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فإنهم لا يظلمون أحدا جملة وإن كثيرا عطف على لقد ظلمك وقليل ما هم أي وهم قليل وما مزيدة للإبهام والتعجب من قلتهم، فلما قضى بينهما داود نظر أحدهما إلى صاحبه فضحك وصعدا في السماء وظن داود أي علم وأيقن عطف على قال لقد ظلمك أنما فتناه يعني أن الله ابتلاه وامتحنه بتلك الحكومة هل يتنبه بها أم لا.
قال السدي بإسناده إن أحدهما لما قال : إن هذا أخي الآية قال داود للآخر ما تقول فقال إن لي تسع وتسعون نعجة ولأخي نعجة واحدة وأنا أريد أن آخذها منه فأكمل نعاجي مائة وهو كاره، قال إذا لا ندعك فإن رمت ذلك ضربت هذا وهذا وهذا يعني طرف الأنف وأصله والجبهة، فقال يا داود أنت أحق بذلك حيث لم يكن لأوريا إلا امرأة واحدة ولك تسع وتسعون امرأة،
فلم تزل تعرضه للقتل حتى قتل وتزوجت امرأته فنظر داود فلم ير أحدا فعرف ما وقع فيه، وقال القائلون بتنزيه الأنبياء في هذه القصة أن ذنب داود إنما كان أنه تمنى أن يكون امرأة أوريا حلالا له فأتفق غزو أوريا وتقدمه في الحرب فلما بلغ قتله داود لم يجزع عليه كما كان يجزع على غيره من جنده إذا هلك ثم تزوج امرأته فعاتبه الله على ذلك لأن ذنوب الأنبياء ولو صغرت فهي عظيمة عند الله نظرا إلى رفعة شأنهم، وقيل كان ذنب داود أن أوريا كان خطب تلك المرأة وطن نفسه عليها فلما غاب في غزاته خطبها داود فزوجت منه لجلالته فاغتم لذلك أوريا فعاتبه الله على ذلك حيث لم يترك هذه الواحدة لخاطبها وعنده تسع وتسعون امرأة، وذكر البغوي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إن داود النبي حين نظر إلى المرأة فأهم قطع على بني إسرائيل فأوصى صاحب البعث فقال إذا حضر العدو فقرب فلانا بين يدي التابوت وكان التابوت في ذلك الزمان يستنصر به من قدم بين يدي التابوت لم يرجع حتى يقتل أو ينهزم عنه الجيش فقتل زوج المرأة فنزل الملكان يقصان عليه القصة ففطن داود فسجد فمكث أربعين ليلة ساجدا حتى نبت الزرع من دموعه على رأسه وأكلت الأرض من جبهته وهو يقول في سجوده رب زل داود زلة أبعد مما بين المشرق والمغرب، رب إن لم ترحم ضعف داود ولم تغفر ذنبه جعلت ذنبه حديثا في الخلوف من بعده، فجاءه جبرئيل من بعد أربعين ليلة فقال يا داود إن الله قد غفر لك الهم الذي هممت به فقال داود إن الرب قادر على أن يغفر لي الهم الذي هممت به وقد عرفت أن الله عدل لا يميل فكيف بفلان إذا جاء يوم القيامة فقال رب دمي الذي عند داود فقال جبرئيل ما سألت ربك عن ذلك وإن شئت لأفعلن، قال نعم فعرج جبرئيل وسجد داود فمكث ما شاء الله ثم نزل فقال، سألت الله يا داود عن الذي أرسلتني فيه فقال قل لداود إن الله يجمعكما يوم القيامة فيقول له هب لي دمك الذي عند داود ويقول هولك يا رب فيقول إن لك في الجنة ما شئت وما اشتهيت عوضا عنه.
وروي عن ابن عباس وعن كعب الأحبار ووهب بن منبه قالوا جميعا إن داود لما دخل عليه الملكان فقضى على نفسه فتحولا عن صورتيهما فعرجا وهما يقولان قضى الرجل على نفسه، وعلم داود أنه إنما عني به فخر ساجدا أربعين يوما لا يرفع رأسه إلا لحاجة ولوقت صلاة مكتوبة ثم يعود ساجدا تمام أربعين يوما لا يأكل ولا يشرب وهو يبكي حتى نبت العشب حول رأسه وهو ينادي ربه عز وجل ويسأله التوبة، وكان من دعائه في سجوده سبحان الملك الأعظم الذي يبتلي الخلق بما يشاء سبحان خالق النور سبحان الحائل بين القلوب سبحان خالق النور إلهي أنت خليت بيني وبين عدوي إبليس فلم أقم لفتنته إذ نزلت بي سبحان خالق النور إلهي الويل لداود إذا كشف عنه الغطاء فيقال هذا داود الخاطئ سبحان خالق النور إلهي بأي عين أنظر إليك يوم القيامة وإنما ينظر الظالمون من طرف خفي سبحان خالق النور إلهي بأي قدم أمشي أمامك وأقوم بين يديك يوم تزول أقدام الخاطئين سبحان خالق النور إلهي من أين يطلب العبد المغفرة إلا من عند سيده سبحان خالق النور إلهي أنا الذي لا أطيق حر فكيف أطيق حر نارك، سبحان خالق النور إلهي أنا الذي لا أطيق صوت رعدك فكيف أطيق صوت جهنم، سبحان خالق النور إلهي الويل لداود من الذنب العظيم الذي أصاب، سبحان خالق النور إلهي قد تعلم سري وعلانيتي فاقبل عذري سبحان خالق النور، إلهي برحمتك اغفر لي ذنوبي ولا تباعدني من رحمتك لهواي، سبحان خالق النور إلهي أعوذ بنور وجهك الكريم من ذنوبي التي أوبقتني سبحان خالق النور إلهي فررت إليك بذنوب واعترفت بخطيئتي فلا تجعلني من القانطين ولا تخزني يوم الدين سبحان خالق النور. قال مجاهد فمكث داود أربعين يوما ساجدا لا يرفع رأسه حتى نبت المرعى من دموع عينيه حتى غطى رأسه فنودي يا داود أجائع فتطعم أو ظمآن فتسقى أو عار فتكسى فأجيب في غير ما طلب قال فنحب نحبة هاج لها العود فاحترق من حر جوفه ثم أنزل الله له التوبة والمغفرة، قال وهب إن داود أتاه نداء أني قد غفرت لك قال يا رب كيف وأنت لا تظلم أحدا قال اذهب إلى قبر أوريا فناده فأنا أسمعه نداءك فتحلل منه، قال فانطلق وقد لبس المسوح حتى جلس عند قبر أوريا ثم ناداه فقال لبيك من هذا الذي قطع عني لذتي وأيقظني ؟ قال أنا داود، قال ما جاء بك يا نبي الله قال أسألك أن تجعلني في حل مما كان مني إليك قال وما كان منك إلي قال عرضتك للقتل، قال قد عرضتني للجنة فأنت في حل فأوحى الله إلى داود يا داود ألم تعلم أني حكم عدل لا أقضي بالتعنت ألا أعلمته أنك قد تزوجت امرأته، قال فرجع إليه فناداه فأجابه فقال من هذا الذي قطع عني لذتي قال أنا داود قال نبي الله أليس قد عفوت عنك ؟ قال نعم ولكن إنما فعلت ذلك بك لمكان امرأتك وقد تزوجتها قال فسكت ولم يجبه ودعاه فلم يجبه عاوده فلم يجبه فقام عن قبره وجعل يحثوا التراب على رأسه ثم نادى الويل لداود ثم الويل لداود ثم الويل الطويل لداود، سبحان خالق النور والويل لداود إذا نصب الموازين بالقسط سبحان خالق النور الويل لداود، ثم الويل الطويل لداود حين يؤخذ بذقنه فيدفع إلى المظلوم سبحان خالق النور الويل لداود ثم الويل الطويل لداود حين يسحب على وجهه مع الخاطئين إلى النار سبحان خالق النور، فأتاه نداء من السماء يا داود قد غفرت لك ذنبك ورحمت على بكائك واستجبت دعائك وأقلت عثرتك، قال يا رب كيف وصاحبي لم يعف عني ؟ قال يا داود أعطيه من الثواب يوم القيامة ما لم تر عيناه ولم يسمع أذناه فأقول له رضيت عن عبدي داود فيقول يا رب من أين لي هذا ولم يبلغه عملي ؟ فأقول هذا عوض عن عبدي داود فأستوهبك منه فيهبك لي، قال يا رب الآن قد عرفت أنك قد غفرت لي فذلك قوله عز وجل فاستغفر ربه لذنبه وخر راكعا أي ساجدا على تسمية السجود ركوعا لأنه مبدؤه، وقيل معناه خر أي سجد بعدما كان راكعا كأنه أحرم بركعتي الاستغفار فسجد في الصلاة وأناب أي رجع إلى الله بالتوبة، واستدلت الحنفية لهذه الآية على أنه من قرأ آية السجدة وركع على الفور بنية سجود التلاوة أجزأه لأن الله سبحانه قال خر راكعا أطلق الركوع على السجود فعلم منه أن المقصود هو التعظيم لا خصوصية السجود ومعنى التعظيم فيهما واحد والحاجة إلى تعظيم الله تعالى إما اقتداء بمن عظم أو مخالفة لمن استكبر وهذا هو الظاهر، فلهذا سمي قياسا، وقالت الأئمة الثلاثة لعدم إجزاء الركوع عن السجود وهو الاستحسان، وجه الاستحسان أن الواجب التعظيم بجهة مخصوصة وهي السجود بدليل أنه لو لم يركع على الفور حتى طاعت القراءة ثم نوى أن يقع الركوع عن السجدة لا يجوز إجماعا وتسمية السجود بالركوع في هذه الآية غير مسلم ولو سلم فهو مجاز محض وذلك لا يقتضي قيام أحدهما مقام الآخر، واختار أبو حنيفة رحمه الله هاهنا القياس على الاستحسان لقوة تأثيره وذلك باعتقاده بما روي عن ابن مسعود وابن عمر أنهما كانا أجاز أن يركع عن السجود في الصلاة ولم يرو من غيرهما خلاف ذلك ولا ترجيح للقياس الخفي بخفائه ولا للظاهر بظهوره بل يرجع في الترجيح إلى ما اقترن بهما من المعاني وقوة القياس الظاهر المتبادر بالنسبة إلى الخفي المعارض له في غاية العلة فلذا حصروا مواضع تقديم القياس على الاستحسان في بضع عشر موضعا يعرف في الأصول هذا أحدهما ولا حصر لمقابلة.
مسألة :
ولو ركع على فور تلاوة آية السجدة ولم ينو للتلاوة ثم سجد سقط سجدة التلاوة بالسجدة الصلاتية نوى أولم ينو وكذا لو قرأ بعد آية السجدة أو آيتين عند أبي حنيفة رحمه الله خلافا للجمهور، وفي ثلاث آيات اختلفت الرواية عن أبي حنيفة وفيما زاد على الثلاث لا ينوبه ركوع ولا سجدة صلاتية سواء نوى أولم ينو.
مسألة :
ويجب عليه قضاء سجدة التلاوة ما دام في الصلاة عند أبي حنيفة رحمه الله كذا قال جمهور الحنفية وظن محمد بن سلمة أن قيام السجدة الصلبية مقام سجدة التلاوة قياس، وفي الاستحسان لا يجوز، لأن السجدة الصلاتية قائم مقام نفسها فلا يقوم مقام غيرها كصوم يوم من رمضان لا يجوز أن يقوم عن نفسه وعن قضاء يوم آخر فالقياس فيه مقدم على الاستحسان وأما قيام الركوع مقام سجدة التلاوة فالقياس يأبى عنه وهو الظاهر وفي الاستحسان يجوز وهو الخفي فهو من باب تقديم الاستحسان على القياس.
مسألة :
يجب السجود على من تلا هذه الآية من ص عند أبي حنيفة رحمه الله وعند مالك سنة كقوله في مطلق سجود التلاوة وكذا عند أحمد في إحدى الروايتين، وقال الشافعي وأحمد في الرواية المشهور عنه أنها سجدة شكر يستحب في غير الصلاة ولا يجوز في الصلاة، احتج ابن الجوزي على أنها ليست من عزائم السجود بحديث ابن عباس قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد في ص قال ابن عباس وليست من عزائم السجود " رواه ابن الجوزي من طريق الترمذي وقال قال الترمذي هذا حديث صحيح قلت ورواه البخاري في الصحيح عن ابن عباس قال سجدة ص ليس من عزائم السجود وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسجد فيها وفي رواية قال مجاهد قلت لابن عباس أأسجد في ص فقرأ ومن ذريته داود وسليمان حتى أتى على قوله فبهداهم اقتده فقال نبيكم ممن أمر أن يقتدى بهم، وهذا يقتضي الوجوب فهو حجة لنا لا علينا وقول ابن عباس ليست من عزائم السجود موقوف يعارضه قوله نبيكم صلى الله عليه وسلم أمر أن يقتدى بهم والمرفوع فعله صلى الله عليه وسلم، واحتج ابن الجوزي أيضا بحديث أبي سعيد الخدري قال :" خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما قرأ ص فلما مر بالسجود نزل فسجد وسجدنا معه وقرأها أخرى فلما بلغ السجدة نشرنا للسجود فما رآنا قال إنما هي سجدة توبة نبي ولكني أراكم قد استعددتم للسجود فنزل فسجد وسجدنا ".
رواه ابن الجوزي من طريق الدارقطني وهذا أيضا مما لا حجة علينا فيه غاية ما في الباب أن يكون فيه دلالة على عدم وجوب سجود التلاوة مطلقا كما قال به الجمهور

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير