تمهيد عن فتنة داود عليه السلام
تعرّض داود عليه السلام لفتنة أو محنة، حيث تسوّر عليه رجلان السّور، ووصلا إلى الغرفة التي يتفرغ فيها للعبادة، وعرضا عليه خصومة بينهما، وتنبه داود إلى أنه قضى في الخصومة قبل أن يسمع الطرف الثاني، فاستغفر الله وتاب إليه، فغفر الله له، وجعل له زلفى وحسن مآب، وقد تعددت الآراء حول فتنة داود وخطيئته، والقرآن لم يذكر خطيئة هنا، وحسبنا كتاب الله، فيه غنية عما في غيره، لأن اليهود ادّعت على داود أنه رأى امرأة حسناء جميلة تغتسل، فلما أحسّت به أرسلت شعرها فسترها، فازداد تعلقا بها، وذهب إليها وسألها عن زوجها، فعلم أنه جندي يقاتل، فطلب من قائد الجيش أن يجعله في صدر الجيش، حتى قتل، ثم تزوج داود المرأة، وهي قصة من الإسرائيليات التي أمرنا بالتوقف عن قبولها، لأن عصمة الأنبياء جزء من عقيدتنا، فالله تعالى عصم ظواهر الأنبياء وبواطنهم من التلبس بأمر منهي عنه، وهذه القصة لا تليق بالأسوياء من الناس، فضلا عن رسول كرمه الله، وقال عنه : وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب. [ ص : ٢٥ ] وتكريم القرآن له يغنينا، ويجعلنا نثق بكلام ربّنا، ونرفض اتهام اليهود له بأنه ساق ( أوريا ) إلى الحرب حتى يقتل، ولم يحزن عليه، وتزوج امرأته بعد وفاته، أو أنه خطبها بعد أن خطبها أوريا، ففضل أهلها داود، أو أنها أعجبته فطلب من زوجها أن يتنازل عنها لداود، فقبل على استحياء، وطلقها ثم تزوّجها داود، وكلها آراء مدْخولة، تحتاج إلى سند قوي من النقل والعقل، ولا سند لها من النقل ولا من العقل، فالنقل يفيد أنّ الله قوىَّ ملكه، وأعطاه القول الحقّ، والمنطق والحكمة وفصل الخطاب، والعقل يفيد أن الله أعلم حيث يجعل رسالته، فإذا اختارا رسولا ملكا، وأعطاه المواهب الإلهية، حفظه من التلبُّس بما لا يليق بالرسل الكرام، وقد ورد الثناء على داود في الصحيحين بأنه أفضل الناس عبادة وصلاة وصياما.
وعن سعيد بن المسيب، أن علي بن أي طالب قال، من حدث بحديث داود على ما يرويه القصّاص جلدته مائة وستين جلدة، وهو حد القذف في حق الأنبياء.
كما روى أنه حُدّث بذلك عمر بن عبد العزيز وعنده رجل من أهل الحق، فكذّب المحدِّث به، وقال : إن كانت القصة على ما في كتاب الله، فالتماس خلافها كذب واختلاق، فقال عمر بن عبد العزيز : لسماعي هذا الكلام أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس.
والأنبياء والمرسلون يجب في شأنهم العصمة والصدق والأمانة، والتبليغ والفطانة، لأن الله جعلهم واسطة بينه وبين الناس، وأقام بهم الحجة على البشر بأنه بلغهم وحيه وأمره.
قال تعالى : رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما . [ النساء : ١٦٥ ].
وقال سبحانه : أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده... [ الأنعام : ٩٠ ].
المفردات :
الخلطاء : الشركاء.
فتناه : امتحنّاه وابتليناه.
فاستغفر ربه : سأله المغفرة والصفح.
خر راكعا : سقط وهوى ساجدا.
وأناب : ورجع إلى الله تعالى بالتوبة.
التفسير :
٢٤-{ قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ربه، وخرّ راكعا وأناب.
أي قال داود للشاكي : إنّ أخاك قد ظلمك حين طلب منك أن تضم نعجتك إلى نعاجه، فأنت فقير بسيط، يجب عليك أن يقويك ويزيدك، لا أن يأخذ منك، ورغب داود في مواساة الشاكي فبين له أن كثيرا من الخلطاء والشركاء يجور بعضهم على بعض في التعامل، كما قال المتنبي :
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفّة فلعلة لا يظلم.
إلا المؤمنين الذين يراقبون الله، ويرغبون في صالح الأعمال، فيبتعدون عن الظلم والطمع والجشع، وما أقل هؤلاء عددا، وأنذرهم وجودا، كما قال تعالى : وقليل من عبادي الشكور . [ سبأ : ١٣ ].
ولعل هذه القضية ذكّرت داود بشيء ما طمع فيه من صاحبه، قد يكون فرسا جميلا، أو أرضا، أو أي شيء رغب في تملّكه وهو النبيّ الملك، وكانت هذه القضية وسيلة ذكّرته شيئا ما فعله شبيها بها، فاستغفر الله عما فعله، وخرّ ساجدا، راجعا مُنيبا إلى الله تعالى مستغفرا.
وقيل : إن داود تسرع في الحكم فقضى للمدّعي قبل أن يسمع دفاع المدَّعَى عليه، ثم تنبّه للأمر فاستغفر الله وخر ساجدا لله، وأناب إليه لأنه لم يسمع شهادة الشهود، أو لم يسمع قول المدّعى عليه.
وقيل : إن داود عليه السلام احتجب عن رعيته متبتلا، منقطعا لعبادة ربّه، فعوقب في ذلك، وكانت هذه المحاورة لتذكيره بأن القضاء بين الناس، والانشغال بشئون الرعية أولى من التبتل والعبادة، فاستغفر الله لذلك فغفر الله له.
قال ابن عباس : إن داود جزأ زمانه أربعة أجزاء : يوما للعبادة، ويوما للقضاء، ويوما للاشتغال بخواص أموره، ويوما يجمع فيه بني إسرائيل فيعظهم ويبكيهم، ففاجأوه في غير يوم القضاء ففزع منهم لأنهم نزلوا عليه من فوق، وفي يوم الاحتجاب، والحرس حوله لا يتركون من يدخل عليه.
تفسير القرآن الكريم
شحاته