قال لقد ظَلَمَكَ بسؤال نعجَتِكَ إلى نِعَاجِه ، حتى يكون محجوباً بحكمه. وهو جوابُ عن قسم محذوف، قصد به عليه السلام المبالغة في إنكار فعل صاحبه به، وتهجين طمعه في نعجة مَن ليس له غيرها، مع أنَّ له قطيعاً منها. ولعله عليه السلام قال ذلك بعد اعتراف صاحبه بما ادّعاه عليه، أو : بناه على تقدير صدق المدعي، أي : إن كنت صدقت فقد ظلمك، والسؤال : مصدر مضاف إلى المفعول، وتعديته إلى مفعول آخر لتضمينه معنى الضم.
وإِنَّ كثيراً من الخُلَطاءِ ؛ الشركاء الذين خلطوا أموالهم، لَيبغي بعضُهم على بعضٍ ؛ غير مراع لحق الصحبة والشركة، إِلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم، فإنهم يتحامَوْن عن البغي والعدوان، وقليلٌ ما هم أي : وهم قليل.
و " ما " : مزيدة للإبهام، والتعجُّب من قِلتهم. والجملة : اعتراض. وظنَّ داودُ أَنما فتناه ، الظن مستعار للعلم الاستدلالي ؛ لما بينهما من المشابهة الظاهرة، أي : علم بما جرى في مجلس الحكومة ؛ وقيل : لمّا قضى بينهما نظر أحدُهما إلى الآخر، فضحك، ثم صعدا إلى السماء فعلم عليه السلام أنه تعالى ابتلاه. والقصر مُنصَّب على الفتنة، أي : علم أنما فعلناه به فتنة وامتحان.
واختلف في سبب امتحانه، قيل : لأنه تمنّى منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وقال : يا رب أرى الخير كله ذهب به آبائي، فأوحى إليه : إني ابتليتهم، فصبروا، فابتلي إبراهيم بنمروذ وبذبح ولده، وإسحاق بالذبح. ويعقوب بالحزن على يوسف وذهاب بصره، وأنت لم تُبتل بشيءٍ، فقال : يا رب ابتلني بمثل ما ابتليتهم به، فابتلي بالمرأة. وقيل : إنه ادعى القوة، وقال : إنه لا يخاف من نفسه قط، فامتُحن، فاستغفر ربَّه إثر ما علم أن ما صدر منه ذنب ؛ وخَرَّ راكعاً أي : ساجداً، على تسمية السجود ركوعاً، أو : خرَّ راكعاً مصلياً صلاة التوبة، وأنابَ أي : رجع إلى الله بالتوبة، رُوي : أنه بقي ساجداً أربعين يوماً يبكي، حتى نبت البقل من دموعه، ولم يشرب ماءً إلا وثلثاه دموع، واشتغل بذلك عن المُلك، حتى وثب ابن له، يقال له :" إيشا " على ملكه ودعا إلى نفسه، واجتمع إليه أهل الزيغ من بني إسرائيل، فلما غفر له حاربه فهزمه. ه.
وهذا الموضع فيه سجدة عند مالك، خلافاً للشافعي، إلا أنه اختلف في مذهب مالك ؛ هل سجد عند قوله : وأناب أو عند قوله : وحُسنَ مآبٍ . وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري : أنه رأى في المنام شجرة تقرأ سورة " ص "، فلما بلغت :" وأناب " سَجَدَت، وقالت : اللهم اكتب لي بها أجراً، وحطّ عني بها وزراف، وارزقني بها شكراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود، فقال له عليه الصلاة والسلام :" وسجدتً أنت يا أبا سعيد ؟ " قلت : لا. قال :" كنتَ أحق بالسجود من الشجرة "، ثم تلى نبي الله الآيات، حتى بلغ : وأناب فسجد، وقال كما قالت الشجرة.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي