ونكين آن خاتم كبريت احمر بود] انتهى وفى عقد الدرر انه كان خاتم آدم عليه السلام قبل خروجه من الجنة البسه الحق إياه ثم أودع فى ركن من اركان العرش وكان مكتوب عليه فى السطر الاول «بسم الله الرحمن الرحيم» وفى الثاني «لا اله الا الله» وفى الثالث «محمد رسول الله» فلما أنزله جبريل الى سليمان اضطرب العالم من مهابته ولما وضعه فى إصبعه غاب عن أعين الناس فقالوا يا نبى الله تريد ان نتشرف بمشاهدة جمالك فقال اذكروا الله فلما ذكروه رأوه فالتأثير من الله وبسليمان المظهرية والخاتم واسطة فى الحقيقة. وانما وضع ملكه فى فص خاتم لانه تعالى أراه فى ذلك ان ما أعطيت فى جنب ما لم تعط قدر هذا الحجر من بين سائر الأحجار إذ كان ملك الدنيا عند الله تعالى كقدر حجر من الأحجار والله يعز من يشاء بما يشاء قالَ سليمان وهو بدل من أناب وتفسير له رَبِّ [اى پروردگار من] اغْفِرْ لِي ما صدر منى من الزلة التي لا تليق بشأنى وتقديم الاستغفار على الاستيهاب الآتي لمزيد اهتمامه بامر الدين جريا على سنن الأنبياء والصالحين وكون ذلك ادخل فى الاجابة وَهَبْ لِي [وببخش مرا] مُلْكاً [پادشاهى وتصرفى كه] لا يَنْبَغِي [نسزد ونشايد] لِأَحَدٍ من الخلق مِنْ بَعْدِي الى يوم القيامة بان يكون الظهور به بالفعل فى عالم الشهادة فى الأمور العامة والخاصة مختصابى وهو الغاية التي يمكنه بلوغها دل على هذا المعنى قول نبينا عليه السلام (ان عفريتا من الجن) وهو الخبيث المنكر (تفلت علىّ البارحة) اى تعرض فى صورة هر كما فى حياة الحيوان قال فى تاج المصادر [التفلت بجستن] وفى الحديث (ان عفريتا من الجن تفلت علىّ البارحة) اى تعرض له فلتة اى فجأة (ليقطع على صلاتى فامكننى الله منه) الإمكان القدرة على الشيء مع ارتفاع الموانع اى أعطاني الله مكنة من اخذه وقدرة عليه (فاخذته فاردت ان اربطه) بكسر الباء وضمها اى أشده (على سارية من سوارى المسجد) اى اسطوانة من أساطينه (حتى تنظروا اليه كلكم ويلعب به ولدان اهل المدينة فذكرت دعوة أخي سليمان رب اغفر لى وهب لى ملكا لا ينبغى لاحد من بعدي فرددته خاسئا) اى ذليلا مطرودا لم يظفر بي ولم يغلب على صلاتى فدل على ان الملك الذي آتاه الله سليمان ولم يؤته أحدا غيره من بعده هو الظهور بعموم التصرف فى عالم الشهادة لا التمكن منه فان ذلك مما آتاه الله غيره من الكمل نبيا كان او وليا ألا ترى ان نبينا عليه السلام قال (فامكننى الله منه) اى من العفريت فعلمنا ان الله تعالى قد وهب التصرف فيه بما شاء من الربط وغيره ثم ان الله تعالى ذكره فتذكر دعوة سليمان فتأدب معه كمال التأدب حيث لم يظهر بالتصرف فى الخصوص فكيف فى العموم فرد الله ذلك العفريت ببركة هذا التأدب خاسئا عن الظفر به. وكان فى وجود سليمان عليه السلام قابلية السلطنة العامة ولهذا ألهمه الله تعالى ان يسأل الملك المخصوص به فلم يكن سؤاله للبخل والحسد والحرص على الاستبداد بالنعمة والرغبة فيها كما توهمه الجهلة. واما سلطان الأنبياء ﷺ فقدا فنى جميع ما فى ملك وجوده من جهة الافعال والصفات فلم يبق شىء فظهر مكانه شىء لا يوصف حيث وقع تجلى الذات فى مرتبة لم ينلها أحد من افراد الخلق سابقا ولا لا حقا وستظهر سلطنته الصورية ايضا بحيث يكون آدم ومن دونه تحت لوائه
صفحة رقم 34
| در بزم احتشام تو سياره هفت جام | وز مطبخ نوال تو أفلاك نه طبق |
| هر خطبه كمال بنام تو شد ازل | كس تا ابد ز لوح نمى خوانده اين سبق |
من المقاصد الدنيوية لنيل الدرجات العلية فلما كان من اخلاق الله ان يحب معالى الأمور ويبغض سفسافها التمس سليمان أقصى مراتب الدنيا ونهاية مقاصدها لئلا يلنفت ويستعملها فى تربية الهمة لتتخلى روحه بان يحسن إليهم ويؤلف قلوبهم ببذل المال والجاه فان القلوب جبلت على حب من احسن إليها فانهم إذا أحبوا نبى الله لزمهم حب الله فيكون حب الله وحب نبيه فى قلوبهم محض الايمان ومن لم يمكن ان يؤمن بالإحسان فيدخلهم فى الايمان بالقهر والغلبة بان يأتيهم بجنود لم يروها كما ادخل بلقيس وقومها فى الايمان وامانيته للممالك فبان يجعل الممالك الدنيوية الفانية اخروية باقية بان يتوسل بها الى الحضرة بصرفها بإظهار الدين واقامة الحق وإعلاء كلمة الإسلام فان قيل قوله (لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) هل يتناول النبي عليه السلام اولا قلنا اما بالصورة فيتناول ولكن لعلو همته وكمال قدره لا لعدم استحقاقه لانه عرض عليه ﷺ ملك أعظم من ملكه فلم يقبله (وقال الفقر فخرى) واما بالمعنى فلم يتناول النبي ﷺ لانه قال (فضلت على الأنبياء بست) يعنى على جميع الأنبياء ولا خفاء فى ان سليمان عليه السلام ما بلغ درجة واحد من اولى العزم من الرسل مع اختصاصه بصورة الملك منهم وهم معه مفضولون بست فضائل من النبي عليه السلام فمعنى الملك الحقيقي الذي كان ملك سليمان صورته بلا ريب يكون داخلا فى الفضائل التي اختصه الله بها واخبر عنها بقوله (وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً)
بل أعطاه الله ما كان مطلوب سليمان من صورة الملك ومعناه أوفر ما اعطى سليمان وفتنه به من غير زحمة مباشرة صورة الملك والافتتان به عزة ودلالا انتهى كلام التأويلات على مكاشفه أعلى التجليات فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ قال ابو عمرو انه ريح الصبا اى فذللناها لطاعة سليمان اى جعلناها مطيعة لا تخالفه اجابة لدعوته فعاد امره عليه السلام على ما كان عليه قبل الفتنة فيكون ذلك مسببا عن انابته: وبالفارسية [پس رام كردانيدم مر سليمان را باد تا فرمان وى برد] وفيه اشارة الى ان سليمان لما فعل بالصافنات الجياد ما فعل فى سبيل الله عوضه الله مركبا مثل الريح كان غدوها شهرا ورواحها شهرا كما فى التأويلات النجمية وقد سبق ايضا من كشف الاسرار قال البقلى رحمه الله كان سليمان عليه السلام من فرط حبه جمال الحق يحب ان ينظر الى صنائعه وممالكه ساعة فساعة من الشرق الى الغرب حتى يدرك عجائب ملكه وملكوته فسخر الله له الريح وأجراها بمراده وهذا جزاء صبره فى ترك حظوظ نفسه تَجْرِي بِأَمْرِهِ بيان لتسخيرها له رُخاءً حال من ضمير تجرى. والرخاء الريح اللينة من قولهم شىء رخو كما فى المفردات: وبالفارسية [نرم وخوش] وفى الفتوحات المكية ان الهواء لا يسمى ريحا الا إذا تحرك وتموج فان اشتدت حركته كان زعزعا وان لم تشتد كان رخاء وهو ذو روح يعقل كسائر اجزاء العالم وهبوبه تسبيحه تجرى به الجواري ويطفأ به السراج وتشتعل به النار وتتحرك المياه والأشجار ويموج البحر وتزلزل الأرض ويزجى السحاب انتهى. والمعنى حال كون تلك الريح لينة طيبة لا تزعزع ولا تنافى بين كونها لينة الهبوب وبين قوله تعالى (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً) لان المراد ان تلك الريح ايضا فى قوة الرياح العاصفة الا انها لما جرت بامره عليه السلام كانت لينة رخاء او تسخر له كلا نسيميها
روح البيان
إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء