ثم يقولون: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ إنهم يتعجَّبون وينكرون أنْ يدعوَهم رسولُ الله إلى التوحيد، وإلى عبادة الله وحده لا شريك له، وقد كانوا يعبدون آلهة عِدَّة، فحول البيت أصنام كثيرة، ومنهم مَنْ كان يعبد الشمسَ أو القمر أو الكواكب والنجوم، ومنهم مَنْ عبد الملائكة.. إلخ.
لكن من أين أتتهم هذه الشبهة؟ جاءتْ هذه الشبهة من استعظامهم الوجود، فهذا الكون البديع المحكم فيه أرض بها أنهار وجبال وزروع وثمار، وفيه سماء فيها شمس وقمر ونجوم وكواكب وأفلاك.. إلخ. فهذا الكون في نظرهم لا يقدر على خَلْقه واحد بمفرده، لا بد أن كثيرين اشتركوا في خَلْقه.
إذن: فعظمة الوجود هي التي جعلتهم يقولون بآلهة متعددة، وهنا لا بُدَّ أن نقولَ سبحان الله، فالعكس هو الصحيح في هذه المسألة، فعظمة الخَلْق دليل على أن الخالق واحد، ولو كان الخالق متعدداً لما جاء الخَلْق على هذا النظام والتناسق، ولو كان الخالق متعدداً لكان الحال كما وصفه الحق سبحانه: إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ.. [المؤمنون: ٩١].
فقولهم: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً خطأ من ناحيتين: الأولى ظنُّهم أن عظمة الصنعة دليلٌ على تعدُّد الصانع، في حين أن عظمة الصنعة دليل على أن الصانع واحد، الأخرى: أنكم قُلْتم بتعدد الآلهة، والإله يعني المعبود المطاع في أوامره ونواهيه فقولوا لنا: بماذا أمرتكُم هذه الآلهة، وعَمَّ نهتكم؟ بل ماذا أعدَّتْ لمن أطاعها من الجزاء، وماذا أعدَّتْ لمن عصاها؟
إذن: قولكم آلهة كذب وهراء تقولونه بألسنتكم ما أنزل الله به من سلطان، ولو عرفتم معنى الآلهة ومعنى العبادة وأن المعبود لا بُدَّ أن يكون له منهج يسير عليه العباد، لو عرفتُم هذا لما قُلْتم بتعدُّد الآلهة.
لذلك الحق سبحانه يضرب لهم مثلاً، فيقول: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً.. [الزمر: ٢٩].
يعني: هل يستوي في العبودية عند مملوك لسيد واحد وعبد مملوك لعدة أسياد، وليتهم متفقون إنما متشاكسون مختلفون فيما بينهم، كذلك لا يستوي مَنْ عبد الله وحده ومَنْ عبد آلهة متعددة.
تفسير الشعراوي
الشعراوي