ﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐ

قَوْله تَعَالَى: مَا كَانَ لي من علم بالملأ الْأَعْلَى إِذْ يختصون ذهب أَكثر أهل التَّفْسِير إِلَى أَن المُرَاد بالملأ الْأَعْلَى هم الْمَلَائِكَة، وَهَذَا قَول ابْن عَبَّاس وَغَيره.
وَقَوله: إِذْ يختصمون قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ هُوَ قَوْلهم لله تَعَالَى فِي أَمر آدم: أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا ويسفك الدِّمَاء الْآيَة إِلَى آخرهَا.
وَأما الْمَأْثُور عَن النَّبِي فِي الْآيَة فَهُوَ مَا رَوَاهُ معَاذ بن جبل رَضِي الله عَنهُ " أَن النَّبِي احْتبسَ عَنَّا ذَات غَدَاة حَتَّى كدنا نتراءى عين الشَّمْس، ثمَّ خرج سَرِيعا، وثوب بِالصَّلَاةِ، وَصلى رَكْعَتَيْنِ تجوز فيهمَا، ثمَّ قَالَ: هَل تَدْرُونَ بِمَا احْتبست عَنْكُم؟ فَقُلْنَا: لَا. فَقَالَ: إِنِّي قُمْت من اللَّيْل وتطهرت وَصليت مَا شَاءَ الله، ثمَّ نَعَست واستثقلت،

صفحة رقم 452

لي من علم بالملأ الْأَعْلَى إِذْ يختصمون (٦٩) إِن يُوحى إِلَيّ إِلَّا أَنما أَنا نَذِير مُبين ) فَإِذا رَبِّي فِي أحسن صُورَة.
فَقَالَ: يَا مُحَمَّد، قلت: لبيْك.
فَقَالَ: اتدري فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الْأَعْلَى؟ فَقلت: لَا
فَوضع كَفه بَين كَتِفي حَتَّى وجدت برد أنامله فِي ثندوتي؛ فتجلى لي كل شَيْء، وعرفته.
ثمَّ قَالَ لي: يَا مُحَمَّد، أَتَدْرِي فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الْأَعْلَى؟
فَقلت: نعم فِي الْكَفَّارَات، قَالَ: مَا هن؟ قلت: فِي مشي الْأَقْدَام إِلَى الْجَمَاعَات، وإسباغ الْوضُوء على المكروهات، وَالْجُلُوس فِي الْمَسَاجِد بعد الصَّلَاة.
قَالَ: وفيم أَيْضا؟
قلت: فِي إطْعَام الطَّعَام، ولين الْكَلَام، وَالصَّلَاة بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام.
فَقَالَ لي: سل يَا مُحَمَّد.
فَقلت: أَسأَلك فعل الْخيرَات، وَترك الْمُنْكَرَات، وَحب الْمَسَاكِين، وَأَن تغْفر لي وترحمني، وَأَسْأَلك حبك، وَحب من يجبك وَحب عمل يقربنِي إِلَى حبك.
ثمَّ قَالَ النَّبِي: " إنَّهُنَّ حق فادرسوهن وتعلموهن " قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث صَحِيح، وَقد روى هَذَا الْخَبَر بِوُجُوه أخر، وَلم يذكر فِي بَعْضهَا النّوم، وأصحها هَذِه الرِّوَايَة، وَالله أعلم.
وَفِي الْآيَة قَول آخر: أَن الْمَلأ الْأَعْلَى هم أَشْرَاف قُرَيْش واختصامهم أَن بَعضهم قَالُوا: الْمَلَائِكَة بَنَات الله، وَبَعْضهمْ قَالُوا غير ذَلِك، فَهُوَ اختصامهم، وَالأَصَح هُوَ القَوْل الأول.

صفحة رقم 453

( ٧٠) إِذْ قَالَ رَبك للْمَلَائكَة إِنِّي خَالق بشرا من طين (٧١) فَإِذا سويته ونفخت فِيهِ من روحي فقعوا لَهُ ساجدين (٧٢) فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيس استكبر وَكَانَ من الْكَافرين (٧٤) قَالَ يَا إِبْلِيس مَا مَنعك أَن تسْجد لما خلقت بيَدي أستكبرت أم كنت من العالين (٧٥) قَالَ أَنا خير مِنْهُ خلقتني من نَار وخلقته من طين
واختصام الْمَلَائِكَة هُوَ كَلَامهم فِي هَذِه الْأَعْمَال، وأقدار المثوبة فِيهَا، وَزِيَادَة بعض الْأَعْمَال على الْبَعْض فِي الثَّوَاب.

صفحة رقم 454

تفسير السمعاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي

تحقيق

ياسر بن إبراهيم

الناشر دار الوطن، الرياض - السعودية
سنة النشر 1418 - 1997
الطبعة الأولى، 1418ه- 1997م
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية