قوله تعالى : مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ اختلف في الملأ الأعلى :
قال عامة أهل التأويل : الملأ الأعلى، هم الملائكة الذين تكلموا في آدم عليه السلام حين قال لهم الرب عز وجل : إني جاعل في الأرض خليفة فقالوا عند ذلك : قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء الآية [ البقرة : ٣٠ ] وقوله تعالى : إذ يختصمون ليس على حقيقة الخصومة، ولكن على التكلم في ذلك كقوله يتنازعون فيها [ الطور : ٢٣ ] كأنها ليست على التنازع المعروف عند الناس والخصومة، ولكن على اختلاف الأيدي.
فعلى ذلك ما ذكر من اختصامهم، والله أعلم. ومعناه : ما كان لي من علم من اختصام الملإ الأعلى، وما كان منهم من التكلم إلا أن أوحي إلي، فعلمت، وأنما أنا نذير مبين .
قال بعضهم : ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون وما كان اختصامهم في الكفارات وفي الدرجات وفي المنجيات والموبقات حتى علمني الله ذلك بالوحي إلي، وأعلمني ذلك.
ويذكرون " أن الكفارات، هي إسباغ الوضوء في المكاره، وبذل الطعام عند الضيق والشدائد " [ بنحو البزار في كشف الأستار : ٢١٢٩ ] ونحوها مما يطول ذكره، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله عز وجل : ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون أي بالجمع الأعلى، وهو جمع يوم القيامة سماه الجمع الأعلى لأنه جمع الأولين والآخرين من الفرق جميعا ؛ أي ما كان لي من علم بذلك الجمع حتى علمت بالوحي.
وقوله عز وجل : إذ يختصمون في ذلك اليوم تقع الخصومات كقوله عز وجل : ثم إنكم يوم القيامة عن ربكم تختصمون [ الزمر : ٣١ ] وهو على حقيقة الخصومة.
وجائز أن يكون الملأ الأعلى، هم الأشراف من أولئك الكفرة والقادة، منهم الذين أهلكوا بالتكذيب ومن نجا منهم بالتصديق، فيقول : ما كان لي من علم بهم، وما نزل بهم أوحي إلي، فعلمت بالوحي.
كأنهم سألوه عن ذلك. فأخبر أني كنت كواحد منكم في ذلك حتى عملت ذلك بالوحي إلا أنما أنا نذير مبين أمرني ربي، وأوحى إلي أن أنذركم بذلك متى أعلم بالوحي، والله أعلم.
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم