وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون( ٢٢ )وذلك ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين( ٢٣ )فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين( ٢٤ ) .
تقول الجوارح مخزية للكفار والفجار ؛ أو هذا من قول الله عز وجل لهم ؛ أو هو من قول الملائكة ؛ وقد وردت آثار١ في سبب النزول.
وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال : اجتمع عند البيت ثلاثة نفر، قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي، قليل فقه قلوبهم، كثير شحم بطونهم، فقال أحدهم : أترون الله يسمع ما نقول ؟ فقال الآخر : يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، وقال الآخر : إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا، فأنزل الله عز وجل : وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم.. الآية. أي ما كنتم تستخفون من أنفسكم حذرا من شهادة الجوارح والجلود عليكم، أو : ما كنتم تتقون في الدنيا أن تشهد عليكم الجلود في الآخرة فتتركوا المعاصي حذرا من هذه الشهادة، ولكن حسبتم أن قولكم وعملكم قد لا يعلم به ربكم، وذلك سبب خسرانكم، وقال عمر بن الخطاب في هذه الآية : هؤلاء قوم كانوا يدمنون المعاصي ولا يتوبون منها ويتكلمون على المغفرة، حتى خرجوا من الدنيا مفاليس ؛ ثم قرأ : وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين . وقال الحسن البصري : إن قوما ألهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا وما لهم حسنة، ويقول أحدهم : إني أحسن الظن بربي، وكذب، لو أحسن الظن لأحسن العمل، وتلا قول الله تعالى : وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين .
فإن صبروا على ما يَلْقَونَ في جهنم أو جزعوا فالنار مرجعهم ومأواهم لا خروج لهم منها. يقال : إذا تعاتبوا أصلح ما بينهم العتاب، والعتبى : رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضى العاتب ؛ أو كأن المعنى : إن يستقيلوا ربهم ليقيلهم من أوزارهم فما هم من المُقالين.
وعن معقل بن يسار عن النبي صلى الله وسلم:(ليس من يوم يأتي على ابن آدم إلا ينادى فيه: يا ابن آدم أنا خلق جديد وأنا فيما تعمل غدا عليك شهيد..).
أورده القرطبي..
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب