وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أبصاركم وَلاَ جُلُودُكُمْ حكايةٌ لما سيقالُ لهُمْ يومئذٍ من جهته تعالى بطريقِ التوبيخ والتقريح تقريراً لجوابِ الجلودِ أي ما كنتم تسترون في الدُّنيا عند مباشرتِكم الفواحشَ مخافةَ أن تشهدَ عليكُم جوارِحُكُم بذلكَ كما كنتم تسترون من الناسِ مخافةَ الافتضاحِ عندهم بلْ كنتُم جاحدينَ بالبعثِ والجزاءِ رأساً ولكن ظَنَنتُمْ أَنَّ الله لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مّمَّا تَعْمَلُونَ من القبائحِ المخفيةِ فلا يُظهرها في الآخرةِ ولذلكَ اجرتأتم على ما فعلتُم وفيهِ إيذانٌ بأنَّ شهادةَ الجوارحِ بإعلامِه تعالَى حينئذٍ لا بانها عالمةً بما شهدتْ به عند صدورِه عنهم عنِ ابنِ مسعُودٍ رضيَ الله عنه كنتُ مستتراً بأستارِ الكعبةِ فدخلَ ثلاثةُ نفرٍ ثقفيانِ وقرشيٌّ أو قرشيانِ وثقفيٌّ فقال أحدُهم أترونَ أنَّ الله يسمعُ ما نقولُ قال الآخرُ يسمعُ إنْ جهَرنا ولا يسمعُ أن
صفحة رقم 10
فصلت آية (٢٣ ٢٦) أخفينَا فذكرتُ ذلكَ للنبيِّ ﷺ فأنزلَ الله تعالَى وَمَا كنتم تسترون الآيةَ فالحكمُ المحكيُّ حينئذٍ يكونُ خاصَّاً بمن كانَ على ذلكَ الاعتقادِ من الكَفَرةِ ولعلَّ الأنسبَ أنْ يرادَ بالظنِّ مَعْنى مجازيٌّ يعمُّ معناهُ الحقيقيَّ ومَا يَجري مَجراه من الأعمالِ المنبئةِ عنْهُ كما في قولِه تعالى يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ليعمَّ ما حُكي من الحالِ جميَع أصنافِ الكَفَرةِ فتدبرْ
صفحة رقم 11إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود محمد بن محمد بن مصطفى العمادي