وكذا قوله : وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعُكم ولا أبصارُكم ولا جلودُكم ، يحتمل أن يكون من كلام الجلود، أو : من كلام الله عزّ وجل وهو الظاهر، أي : وما كنتم تستترون في الدنيا عند مباشرتكم الفواحش مخافة أن تشهد عليكم جوارحكم، ولو خفتم من ذلك ما استترتم بها، ولكن ظننتم أنَّ الله لا يعلمُ كثيراً مما تعملون من القبائح الخفية، فلا يظهرها في الآخرة.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه : كنت مستتراً بأستار الكعبة، فدخل ثلاثة نفر ؛ وثقفيان وقرشي، أو : قرشيان وثَقَفي، فقال أحدهم : أترون أن الله يسمع ما نقول ؟ قال الآخر : سمع جهرنا ولا يسمع ما أخفينا، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى : وما كنتم تستترون. . . الآية١، فالحُكم المحكي حينئذ يكون خاصّاً بمَن كان على ذلك الاعتقاد من الكفرة، انظر أبا السعود.
وفي الآية حث على حسن الظن بالله، وفي الحديث :" لا يموتن أحدكم إلا وهو يُحسن الظن بالله عزّ وجل١ " وقال أيضاً :" يقول الله عزّ وجل : أنا عندَ ظنِّ عبدي بي٢... " الحديث فمَن ظنَّ خيراً لقي خيراً، ومَن ظنّ شرّاً لقي شرّاً. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي