ﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹ

وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أبصاركم وَلاَ جُلُودُكُمْ هذا تقريع لهم، وتوبيخ من جهة الله سبحانه، أو من كلام الجلود، أي ما كنتم تستخفون عند الأعمال القبيحة حذراً من شهادة الجوارح عليكم، ولما كان الإنسان لا يقدر على أن يستخفي من جوارحه عند مباشرة المعصية كان معنى الاستخفاء هنا : ترك المعصية. وقيل : معنى الاستتار : الاتقاء، أي ما كنتم تتقون في الدنيا أن تشهد عليكم جوارحكم في الآخرة، فتتركوا المعاصي خوفاً من هذه الشهادة و أن في قوله : أَن تَشْهَدَ في محل نصب على العلة، أي لأجل أن تشهد، أو مخافة أن تشهد. وقيل : منصوبة بنزع الخافض، وهو : الباء أو عن أو من. وقيل : إن الاستتار مضمن معنى الظنّ، أي وما كنتم تظنون أن تشهد، وهو بعيد ولكن ظَنَنتُمْ أَنَّ الله لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مّمَّا تَعْلَمُونَ من المعاصي، فاجترأتم على فعلها. قيل : كان الكفار يقولون : إن الله لا يعلم ما في أنفسنا، ولكن يعلم ما نظهر دون ما نسرّ. قال قتادة : الظنّ هنا بمعنى : العلم وقيل : أريد بالظنّ معنى مجازي يعمّ معناه الحقيقي، وما هو فوقه من العلم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج الطبراني عن ابن عباس في قوله : فَهُمْ يُوزَعُونَ قال : يحبس أوّلهم على آخرهم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في الآية قال : يدفعون. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال : كنت مستتراً بأستار الكعبة، فجاء ثلاثة نفر : قرشي وثقفيان، أو ثقفيّ وقرشيان، كثير لحم بطونهم قليل فقه قلوبهم، فتكلموا بكلام لم أسمعه، فقال أحدهم : أترون أن الله يسمع كلامنا هذا ؟ فقال الآخران : إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه، وإنا إذا لم نرفعه لم يسمعه، فقال الآخران : إن سمع منه شيئاً سمعه كله ؛ قال : فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله : وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ إلى قوله : مّنَ الخاسرين . وأخرج عبد الرزاق، وأحمد، والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في البعث عن معاوية بن حيدة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«تحشرون هاهنا، وأومأ بيده إلى الشام، مشاة وركباناً وعلى وجوهكم، وتعرضون على الله، وعلى أفواهكم الفدام، وأوّل ما يعرب عن أحدكم، فخذه وكتفه» وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم :« وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أبصاركم وَلاَ جُلُودُكُمْ ». وأخرج أحمد، وأبو داود الطيالسي، وعبد بن حميد، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وابن حبان، وابن مردويه عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لا يموتنّ أحدكم إلاّ وهو يحسن الظن بالله تعالى، فإن قوماً قد أرداهم سوء ظنهم بالله، فقال الله : وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الذي ظَنَنتُم بِرَبّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مّنَ الخاسرين ».


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية