ولما جاء عيسى أي : إلى بني إسرائيل بالبينات أي : المعجزات أي : بآيات الإنجيل وبالشرائع الواضحات قال منبهاً لهم قد جئتكم بما يدلكم قطعاً على أني آية من عند الله وكلمة منه بالحكمة أي : الأمر المحكم الذي لا يستطاع نقضه، ولا يدفع بالمعاندة لأخلصكم بذلك مما وقعتم فيه من الضلال ولأبيّن لكم أي : بياناً واضحاً بعض الذي تختلفون أي : الآن فيه ولا تزالون تجددون الخلاف بسببه، فإن قيل : لِمَ لم يبين لهم كل الذي يختلفون فيه ؟.
أجيب : بأنه بين لهم كل ما يكون من أمر الدين لا ما يتعلق بأمر الدنيا فإن الأنبياء لم تبعث لبيانه، ولذلك قال نبينا صلى الله عليه وسلم :«أنتم أعلم بأمر دنياكم ». ويحتمل أن يكون المراد أنه يبين لهم بعض المتشابه وهو ما يكون بيانه كافياً في رد بقية المتشابه إلى المحكم بالقياس عليه، فإن الشأن في كل كتاب أن يجمع المحكم والمتشابه، فالمحكم : ما ليس فيه التباس، والمتشابه : ما يكون ملتبساً وفيه ما يرده إلى المحكم لكن على طريق الرمز والإشارة التي لا يذوقها إلا أهل البصائر ليتبين بذلك الصادق من الكاذب، فالصادق الذي رسخ علماً وإيماناً يرد المتشابه منه إلى المحكم أو يعجز فيقول : الله أعلم بمراده ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ( آل عمران : ٨ )
ولا يتزلزل، والكاذب يتبع المتشابه فيجريه على ظاهره كأهل الإلحاد الجوامد المفتونين أو يؤوله بحسب هواه بما لا يتمشى على قواعد العلم ولا يوافق المحكم فيفتتن.
ولما بين لهم الأصول والفروع قال : فاتقوا الله أي : خافوا من له الملك الأعظم من الكفر والإعراض عن دينه لأن له كل شيء منكم ومن غيركم، ومن المعلوم لكل ذي عقل أنه لا يتصرف في ملك الغير بوجه من الوجه إلا بإذنه وأطيعون أي : فيما أبلغه عنه إليكم من التكاليف فطاعتي لأمره بما يرضيه هو ثمرة التقوى وكلما زاد المتقي في أعمال الطاعة زادت تقواه.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني