جانب من قصة عيسى عليه السلام
وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ( ٥٧ ) وَقَالُوا أَآَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ( ٥٨ ) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ( ٥٩ ) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ ( ٦٠ ) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ( ٦١ ) وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( ٦٢ ) وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( ٦٣ ) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ( ٦٤ ) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ ( ٦٥ ) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ( ٦٦ )
سبب النزول :
أخرج أحمد بسند صحيح، والطبراني، عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقريش :( إنه ليس أحد يعبد من دون الله وفيه خير )، فقالوا : ألست تزعم أن عيسى كان نبيا وعبدا صالحا، وقد عُبد من دون الله ؟ فأنزل الله تعالى : ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون .
وروى محمد بن إسحاق في السيرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس يوما في المسجد مع الوليد بن المغيرة، فجاء النضر بن الحارث وجلس معهم، وفي المسجد غير واحد من رجالات قريش، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرض له النضر فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه، ثم تلا عليهم : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون . ( الأنبياء : ٩٨ )، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل عبد الله بن الزبعري التميمي، وجلس فقال : أما والله لو وجدت محمدا لخصمته، سلوا محمدا : أكل ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده ؟ فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيرا، والنصارى تعبد المسيح عيسى ابن مريم، فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله بن الزبعري، ورأوا أنه قد احتج وخاصم، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال :( كل من أحب أن يُعبد من دون الله فهو مع من عبده، فإنهم إنما يعبدون الشيطان ومن أمرهم بعبادته )، وأنزل الله عز وجل : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون . ( الأنبياء : ١٠١ ).
أي : عيسى وعزير ومن عُبد معهما، فاتخذهم من بعدهم من أهل الضلال أربابا من دون الله، ونزل فيما يذكر من أمر عيسى عليه السلام، وأنه يعبد من دون الله : ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون .
المفردات :
البينات : المعجزات، كالإنجيل و شفاء المرضى.
الحكمة : الشرائع المحكمة التي لا يستطاع نقضها ولا إبطالها، أو بكل ما يؤدي إلى الإحسان.
تختلفون فيه : من الأمور الدينية.
التفسير :
٦٣- ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون .
ولما جاء عيسى رسولا إلى قومه ومعه الإنجيل والمعجزات الواضحات، مثل : شفاء المرضى، وإحياء الموتى، وإخبار قومه لما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم وغير ذلك، قال لقومه : قد جئتكم بالحكمة، أي بالتشريع المناسب لكم، وما تقتضيه الحكمة الإلهية من الأوامر والنواهي.
ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه... أي : من أمور الدين لا من أمور الدنيا، فإن الرسل أرسلهم الله تعالى ليبينوا للناس شئون دينهم لا شئون دنياهم.
قال الطبري : يعني من الأمور الدينية لا الدنيوية. اه.
كما قال صلى الله عليه وسلم :( أنتم أعلم بأمور دنياكم، وأنا أعلم بأمور دينكم )١٦.
فقد رأى صلى الله عليه وسلم قوما يؤبرون النخل، أي يلقحون طلع النخلة الأنثى بطلع النخلة الذكر، فقال :( لو تركوه لصلح ) فتركوه فشاص، أي : جف ولم ينجب تمرا، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال :( إذا أمرتكم بشيء من أمر الدين فاتبعوه، وإذا أمرتكم بشيء من أمر الدنيا فأنتم أعلم بشئون دنياكم )١٧.
فالأنبياء لم يبعثوا لبيان طرق الفلاحة والتجارة وغيرها من شئون الدنيا، وإنما بعثوا لبيان شرائع الله وأحكامه، وبيان الحلال والحرام، والآداب والعبادات والمعاملات.
لذلك قال عيسى : ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه...
وقيل : المراد أنه يبين لهم بعض الذي اختلفوا فيه كطوائف مختلفة، ولا يبين الكل حفاظا على حياته، وعلى تحصيل قسط من القبول عندهم، إتباعا للحكمة، ورغبة في بيان جزء مقبول عندهم لا بيان كل مرفوض، ومن حكم الدعاة قولهم :( ليس كل ما يعلم يقال، ولا كل ما يقال جاء وقته، ولا كل ما جاء وقته حضر أهله ).
وقريب من هذا المعنى ما ورد في الصحيح عن أحد الصحابة قوله : كان صلى الله عليه وسلم يتخوننا١٨ بالموعظة مخافة السآمة علينا والملل١٩.
وفي آخر الآية : فاتقوا الله وأطيعون .
أي : راقبوا ربكم وأخلصوا له، وأطيعوني كرسول مبلغ عن الله الهدى والتعاليم والشرائع والتكاليف.
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة