الربع الثاني من الحزب الخمسين في المصحف الكريم
وهكذا تولى كتاب الله إبطال قياسهم لعيسى بن مريم على آلهتهم، وبين أن الدعوة التي دعا إليها عيسى النصارى كانت قاصرة على إفراد الله بالعبادة، والاعتراف له بالعبودية، والتعريف بإلوهيته ووحدانيته المطلقة دون سواه، فهو لم يدع أحدا من أتباعه لا إلى عبادته ولا إلى تأليهه، ولا إلى اعتباره ابنا للإله، كما ادعاه النصارى المبطلون، وذلك قوله تعالى في بداية هذا الربع : ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة، ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه، فاتقوا الله وأطيعون( ٦٣ ) إن الله هو ربي وربكم، فاعبدوه، هذا صراط مستقيم( ٦٤ ) على غرار ما جاء في آية أخرى حكاية عن عيسى ابن مريم ( ١١٧ : ٥ ) : ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم، وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم، وأنت على كل شيء شهيد .
في الآيات الأخيرة من الربع الماضي جرى الحديث عن عيسى بن مريم عليهما السلام، ابتداء من قوله تعالى : ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون ، وذلك في سياق الرد على المشركين الذين أرادوا أن يساووا بينه وبين معبوداتهم من الأوثان والأصنام، نظرا لأن النصارى يتوجهون إليه بالعبادة كما يتوجهون هم إلى معبوداتهم، وفي بداية هذا الربع جاءت تتمة الرد عليهم، وإبطال قياسهم الفاسد، فقد نقلت كتب السيرة أن مشركي قريش هالهم ما تلاه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمامهم من قوله تعالى في خطابه لهم : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ( ٩٨ : ٢١ )، إذ إن مضمون هذه الآية يقتضي أن المشركين وجميع معبوداتهم التي يعبدونها من دون الله سيكونون في جهنم، فأورد المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إشكالا ) بما يقوم به النصارى من عبادة لعيسى بن مريم، وسألوه هل سيكون عيسى بن مريم أيضا في جهنم كما تكون فيها أصنام المشركين وأوثانهم التي يعبدونها من دون الله، هذا وهم يعلمون مسبقا أن عيسى بن مريم كان رسولا ولم يكن صنما، لكنهم أرادوا أن ينتقلوا من هذا القياس الفاسد -لأنه قياس مع وجود الفارق- إلى أن آلهتهم ومعبوداتهم لن تكون في النار، ما دام عيسى بن مريم لا يدخل النار، وهو في نظرهم ليس خيرا من آلهتهم، وقالوا أآلهتنا خير أم هو ، فغرضهم في الحقيقة هو الجدل والمشاكسة، لا الوصول إلى جوهر الحق في الموضوع : ما ضربوه لك جدلا، بل هم قوم خصمون ، وقد كانوا ينتظرون من رسول الله أن يقول لهم : إن آلهتكم خير( فيكون ذلك إقرارا لهم على عبادتها ) أو يقول :( إن عيسى خير من ألهتكم ) فيكون إقرارا منه بأن عيسى أهل للعبادة، أو أن ينفي ( الخيرية ) عنهم جميعا، وذلك طعن في عيسى، فكان فحوى جواب النبي صلى الله عليه وسلم :( إن عيسى خير من آلهتكم، ولكنه لا يستحق أن ( يعبد ). وذلك قوله تعالى في نفس السياق : إن هو إلا عبد أنعمنا عليه، وجعلناه مثلا لبني إسرائيل
في الآيات الأخيرة من الربع الماضي جرى الحديث عن عيسى بن مريم عليهما السلام، ابتداء من قوله تعالى : ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون ، وذلك في سياق الرد على المشركين الذين أرادوا أن يساووا بينه وبين معبوداتهم من الأوثان والأصنام، نظرا لأن النصارى يتوجهون إليه بالعبادة كما يتوجهون هم إلى معبوداتهم، وفي بداية هذا الربع جاءت تتمة الرد عليهم، وإبطال قياسهم الفاسد، فقد نقلت كتب السيرة أن مشركي قريش هالهم ما تلاه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمامهم من قوله تعالى في خطابه لهم : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ( ٩٨ : ٢١ )، إذ إن مضمون هذه الآية يقتضي أن المشركين وجميع معبوداتهم التي يعبدونها من دون الله سيكونون في جهنم، فأورد المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إشكالا ) بما يقوم به النصارى من عبادة لعيسى بن مريم، وسألوه هل سيكون عيسى بن مريم أيضا في جهنم كما تكون فيها أصنام المشركين وأوثانهم التي يعبدونها من دون الله، هذا وهم يعلمون مسبقا أن عيسى بن مريم كان رسولا ولم يكن صنما، لكنهم أرادوا أن ينتقلوا من هذا القياس الفاسد -لأنه قياس مع وجود الفارق- إلى أن آلهتهم ومعبوداتهم لن تكون في النار، ما دام عيسى بن مريم لا يدخل النار، وهو في نظرهم ليس خيرا من آلهتهم، وقالوا أآلهتنا خير أم هو ، فغرضهم في الحقيقة هو الجدل والمشاكسة، لا الوصول إلى جوهر الحق في الموضوع : ما ضربوه لك جدلا، بل هم قوم خصمون ، وقد كانوا ينتظرون من رسول الله أن يقول لهم : إن آلهتكم خير( فيكون ذلك إقرارا لهم على عبادتها ) أو يقول :( إن عيسى خير من ألهتكم ) فيكون إقرارا منه بأن عيسى أهل للعبادة، أو أن ينفي ( الخيرية ) عنهم جميعا، وذلك طعن في عيسى، فكان فحوى جواب النبي صلى الله عليه وسلم :( إن عيسى خير من آلهتكم، ولكنه لا يستحق أن ( يعبد ). وذلك قوله تعالى في نفس السياق : إن هو إلا عبد أنعمنا عليه، وجعلناه مثلا لبني إسرائيل
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري