قال تعالى : ذلك أي : تحليف الشهود، أدنى أي : أقرب أن يأتوا بالشهادة على وجهها كما تحملوها من غير تحريف ولا خيانة فيها، أو يخافوا أن تُرَدّ أيمَانٌ بعد أيمانهم أي : أو أقرب لأن يخافوا أن ترد اليمين على المدعين بعد أيمانهم، فيفتضحوا بظهور الخيانة واليمين الكاذبة، وإنما جمع الضمير، لأنه حكم يعم الشهود كلهم، واتقوا الله واسمعوا ما تُوصون به، فإن لم تتقوا ولم تسمعوا كنتم قومًا فاسقين، والله لا يهدي القوم الفاسقين أي : لا يهديهم إلى حجة أو إلى طريق الجنة.
الإشارة : أمر الحقّ ـ جلّ جلاله ـ في الآية المتقدمة، بالاعتناء بشأن الأنفس، بتزكيتها وتحليتها ؛ وأمر في هذه الآية بالاعتناء بشأن الأموال ؛ بحفظها، والأمر بالإيصاء عليها ودفعها لمستحقها ؛ إذا كلاهما يقربان إلى رضوان الله، ويوصلان إلى حضرته، وقد كان في الصحابة من قربه ماله، وفيهم من قربه فقره، وكذلك الأولياء، منهم من نال الولاية من جهة المال أنفقه على شيخه فوصله من حينه، ومنهم من نال من جهة فقره أنفق نفسه في خدمة شيخه، وقد رُوِيَ أن سيدي يوسف الفاسي أنفق على شيخه قناطير من المال، قيل : أربعين، وقيل : أقل. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي