ﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉ

ثُمَّ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَ السُّدِّيُّ فِي الْآيَةِ الْأُولَى:
" قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْعِلْجَيْنِ حِينَ انْتَهِي بِهِمَا إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فِي دَارِهِ فَفَتَحَ الصَّحِيفَةَ، فَأَنْكَرَ أَهْلُ الْمَيِّتِ وَخَوَّفُوهُمَا فَأَرَادَ أَبُو مُوسَى أَنْ يَسْتَحْلِفَهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ، فَقُلْتُ: إِنَّهُمَا لَا يُبَالِيَانِ صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَلَكِنِ اسْتَحْلِفْهُمَا بَعْدَ صَلَاتِهِمَا فِي دِينِهِمَا، فَيُوقَفُ الرَّجُلَانِ بَعْدَ صَلَاتِهِمَا فِي
دِينِهِمَا فَيَحْلِفَانِ بِاللهِ (لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ) أَنَّ صَاحِبَهُمَا لَبِهَذَا أَوْصَى وَأَنَّ هَذِهِ لَتَرِكَتُهُ. فَيَقُولُ لَهُمَا الْإِمَامُ أَيِ الْحَاكِمُ قَبْلَ أَنْ يَحْلِفَا: إِنَّكُمَا إِنْ كَتَمْتُمَا أَوْ خُنْتُمَا فَضَحْتُكُمَا فِي قَوْمِكُمَا وَلَمْ تَجُزْ لَكُمَا شَهَادَةٌ وَعَاقَبْتُكُمَا. فَإِذَا قَالَ لَهُمَا ذَلِكَ فَإِنَّ (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا) رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ انْتَهَى الْمُرَادُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ كَثِيرٍ.
وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ: " وَلَمْ تَجُزْ لَكُمَا شَهَادَةٌ " فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَسَيَأْتِي لِبَحْثِ دَعْوَى النَّسْخِ وَاسْتِشْكَالِ الْفُقَهَاءِ مَزِيدُ بَيَانٍ قَرِيبًا.
وَأَمَّا الْفَوَائِدُ وَالْأَحْكَامُ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهَا الْآيَتَانِ بِإِيجَازِهِمَا، فَهَاكَ مَا يَتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ مِنْهَا:
(١) الْحَثُّ عَلَى الْوَصِيَّةِ وَتَأْكِيدُ أَمْرِهَا وَعَدَمُ التَّهَاوُنِ فِيهَا بِشَوَاغِلِ السَّفَرِ وَإِنْ قُصِرَتْ فِيهِ الصَّلَاةُ وَأُبِيحَ فِيهِ الْإِفْطَارُ فِي رَمَضَانَ.
(٢) الْإِشْهَادُ عَلَى الْوَصِيَّةِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ; لِيَكُونَ أَمْرُهَا أَثْبَتَ وَالرَّجَاءُ فِي تَنْفِيذِهَا أَقْوَى، وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَيَكْتُبُونَ وَصِيَّتَهُمْ وَلَا يُشْهِدُونَ أَحَدًا عَلَيْهَا; فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ سَبَبًا لِضَيَاعِهَا.
(٣) أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِشْهَادِ عَلَى الْوَصِيَّةِ أَنْ يُخْتَارَ الشَّاهِدَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمَوْثُوقِ بِعَدَالَتِهِمْ كَمَا ثَبَتَ فِي آيَاتٍ أُخْرَى أَيْضًا; وَحِكْمَتُهُ ظَاهِرَةٌ مِنْ وُجُودِهِ لَا حَاجَةَ إِلَى شَرْحِهَا.
(٤) أَنَّ إِشْهَادَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْوَصِيَّةِ جَائِزٌ مَشْرُوعٌ ; فَإِنْ وَجَبَتِ الْوَصِيَّةُ وَجَبَ بِشَرْطِهِ وَإِلَّا فَهُوَ مَنْدُوبٌ; لِأَنَّ مَقْصِدَ الشَّارِعِ مِنْ إِثْبَاتِ الْوَصِيَّةِ لَا يُتْرَكُ أَلْبَتَّةَ إِذَا لَمْ يَتَيَسَّرْ إِقَامَتُهُ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ; إِذِ الْمَيْسُورُ لَا يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ. وَالْمَقَامُ هُنَا مَقَامُ إِثْبَاتِ الْحُقُوقِ لَا مَقَامَ التَّعَبُّدِ الَّذِي يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِيمَانُ. وَلَا مَقَامَ التَّشْرِيفِ وَالتَّكْرِيمِ لِلْأَدْيَانِ وَأَهْلِ الْأَدْيَانِ.
(٥) أَنَّ الشَّهَادَةَ تَشْمَلُ مَا يَقُولُهُ كُلٌّ مِنَ الْخَصْمَيْنِ مِنْ إِقْرَارٍ فِي الْقَضِيَّةِ أَوْ إِنْكَارٍ وَنَفْيٍ لِلْمُدَّعِي بِهِ أَوْ إِثْبَاتٍ.
(٦) شَرْعِيَّةُ اخْتِيَارِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُؤَثِّرُ فِي قُلُوبِ الشُّهُودِ وَمُقْسِمِي الْأَيْمَانِ
وَيُرْجَى أَنْ يَصْدُقُوا وَيَبَرُّوا فِيهَا كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي تَعْلِيلِ الْقَسَمِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ اخْتِيَارُ الْمَكَانِ

صفحة رقم 189

وَهُوَ مَشْرُوعٌ أَيْضًا، وَمِمَّا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ وَابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحُوهُ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: " لَا يَحْلِفُ أَحَدٌ عِنْدَ مِنْبَرِي كَاذِبًا إِلَّا تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ " وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ بِمَعْنَاهُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ رَفَعَهُ: " مَنْ حَلَفَ عِنْدَ مِنْبَرِي هَذَا بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ يَسْتَحِلُّ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا " وَاسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ وَبِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ جَمَاهِيرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى جَوَازِ التَّغْلِيظِ عَلَى الْحَالِفِ بِمَكَانٍ مُعَيَّنٍ ثَبَتَتْ حُرْمَتُهُ شَرْعًا كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَخَاصَّةً مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَمَقَامَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ وَخَاصَّةً مَا كَانَ مِنْهُ عِنْدَ مِنْبَرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبِالزَّمَانِ كَيَوْمِ الْجُمُعَةِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَمِنْهُمُ الْحَنَفِيَّةُ إِنَّ مَا ذُكِرَ مِنَ النُّصُوصِ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ لَا يُنْكِرُ أَحَدٌ التَّغْلِيظَ بِمَا وَرَدَ فِيهَا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْقِيَاسِ عَلَيْهَا أَوِ الْأَخْذِ بِفَحْوَاهَا.
وَقَالَ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: الْأَيْمَانُ تُغَلَّظُ فِي الدِّمَاءِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْمَالِ إِذَا بَلَغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ فَيَحْلِفُ بِمَكَّةَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ وَبِالْمَدِينَةِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، وَفِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ عِنْدَ الصَّخْرَةِ. وَفِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ فِي أَشْرَفِ الْمَسَاجِدِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ: يَحْلِفُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْتَصَّ الْحَلِفُ بِزَمَانٍ وَمَكَانٍ وَهَذَا عَلَى خِلَافِ الْآيَةِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ التَّهْوِيلُ وَالتَّعْظِيمُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَقْوَى اهـ.
هَذِهِ الْعِبَارَةُ تَشْهَدُ عَلَى نَفْسِهَا بِالتَّعَصُّبِ فَلَا يُقَالُ إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ خَالَفَ الْآيَةَ إِلَّا إِذَا أَجَازَ تَرْكَ الْعَمَلِ بِمَنْطُوقِهَا فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ نَفْسِهِ.
(٧) التَّغْلِيظُ عَلَى الْحَالِفِ بِصِيغَةِ الْيَمِينِ بِأَنْ يَقُولَ فِيهِ مَا يُرْجَى أَنْ يَكُونَ رَادِعًا لِلْحَالِفِ عَنِ الْكَذِبِ كَالْأَلْفَاظِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الْآيَةِ، وَأَشَدُّ مِنْهَا مَا وَرَدَ فِي شَهَادَةِ اللِّعَانِ، وَقَدْ جَرَى عَلَى هَذَا أَصْحَابُ الْجَمْعِيَّاتِ السِّيَاسِيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِ، فَاخْتَرَعُوا أَيْمَانًا وَأَقْسَامًا قَدْ يَتَحَامَى أَفْسَقُ النَّاسِ وَأَجْرَؤُهُمْ عَلَى الْإِجْرَامِ أَنْ يَحْنَثَ بِهَا وَقَدْ
بَيَّنَّا مَا يَجِبُ الْبِرُّ بِهِ وَمَا يَجِبُ الْحِنْثُ بِهِ مِنَ الْأَيْمَانِ وَسَائِرِ مُهِمَّاتِ أَحْكَامِهَا فِي تَفْسِيرِ آيَةِ كَفَّارَتِهَا مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ.
(٨) أَنَّ الْأَصْلَ فِي أَخْبَارِ النَّاسِ وَشَهَادَاتِهِمُ الَّتِي هِيَ أَخْبَارٌ مُؤَكَّدَةٌ صَادِرَةٌ عَنْ عِلْمٍ صَحِيحٍ أَنْ تَكُونَ مَقْبُولَةً مُصَدَّقَةً; وَلِهَذَا شَرَطَ فِي حُكْمِ تَحْلِيفِ الشَّاهِدَيْنِ الِارْتِيَابَ فِي خَبَرِهِمَا. وَصَدَّرَ هَذَا الشَّرْطَ بِأَنَّ الَّتِي لَا تَدُلُّ عَلَى تَحَقُّقِ الْوُقُوعِ; إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي وُقُوعِهَا أَنْ يَكُونَ شَاذًّا.

صفحة رقم 190

(٩) أَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّاسِ أَنْ يَكُونُوا أُمَنَاءَ، وَفِي الْمُؤْتَمَنِ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا، وَأَنْ يَكُونَ مَا يَقُولُهُ فِي أَمْرِ الْأَمَانَةِ مَقْبُولًا; وَلِذَلِكَ قَالَ: (فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا) فَأَفَادَتْ أَدَاةُ الشَّرْطِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي هَذَا أَلَّا يَقَعَ، وَأَنَّهُ إِنْ وَقَعَ كَانَ شَاذًّا. وَأَفَادَ فِعْلُ " عُثِرَ " الْمَبْنِيُّ لِلْمَفْعُولِ أَنَّ هَذَا الشُّذُوذَ إِنْ وَقَعَ فَشَأْنُهُ أَنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهِ بِالْمُصَادَفَةِ وَالِاتِّفَاقِ، لَا بِالْبَحْثِ وَتَتَبُّعِ الْعَثَرَاتِ.
(١٠) شَرْعِيَّةُ تَحْلِيفِ الشُّهُودِ إِذَا ارْتَابَ الْحُكَّامُ أَوِ الْخُصُومُ فِي شَهَادَتِهِمْ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ الْآنَ فِي أَكْثَرِ الْأُمَمِ، بَلْ تُحَتِّمُهُ قَوَانِينُهَا الْوَضْعِيَّةُ بِاطِّرَادٍ لِكَثْرَةِ مَا يَقَعُ مِنْ شَهَادَةِ الزُّورِ وَسَيَأْتِي بَحْثُ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ.
(١١، ١٢) شَرْعِيَّةُ ائْتِمَانِ الْمُسْلِمِ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمَالِ، وَشَرْعِيَّةُ تَحْلِيفِ الْمُؤْتَمَنِ وَالْعَمَلِ بِيَمِينِهِ.
(١٣) شَرْعِيَّةُ رَدِّ الْيَمِينِ إِلَى مَنْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى ضَيَاعِ حَقٍّ لَهُ بِيَمِينٍ صَارَ حَالِفُهَا خَصْمًا لَهُ وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ شَهَادَةُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَأَقْسَامُهُمَا، فَإِذَا شَهِدَ الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ بِالزِّنَا تِلْكَ الشَّهَادَةَ الْمَشْرُوعَةَ فِي سُورَةِ النُّورِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْقَسَمِ الْمُغَلَّظِ تُرَدُّ الشَّهَادَةُ مَعَ الْيَمِينِ إِلَى زَوْجِهِ الَّتِي رَمَاهَا بِذَلِكَ، فَإِذَا شَهِدَتْ بِاللهِ مِثْلَ شَهَادَتِهِ سَقَطَ عَنْهَا الْحَدُّ وَبُرِّئَتْ مِنَ التُّهْمَةِ فِي شَرْعِ اللهِ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ مِنْ عِبَادِ اللهِ. وَمِنْهُ أَيْمَانُ الْقَسَامَةِ فِي الدِّمَاءِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ يَبْدَأُ بِالْيَمِينِ آلْمُدَّعُونَ ذَوُو الْقَتِيلِ، أَمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ ذَوُو الْمُتَّهَمِ بِالْقَتْلِ؟ وَأَيًّا مَا كَانَ الْبَادِئُونَ فَإِنَّ الْأَيْمَانَ تُرَدُّ إِلَى الْآخَرِينَ.
(١٤) إِذَا احْتِيجَ إِلَى قِيَامِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ لِمَيِّتٍ بِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالتَّرِكَةِ فَالَّذِي يَجِبُ تَقْدِيمُهُ مِنْهُمْ لِلْقِيَامِ بِهِ مَنْ كَانَ أَوْلَاهُمْ بِهِ. وَمِنْ بَلَاغَةِ الْإِيجَازِ إِبْهَامُ الْأَوَّلِينَ بِالْقَسَمِ
فِي الْآيَةِ لِاخْتِلَافِ الْأَوْلَوِيَّةِ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْوَقَائِعِ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ، فَإِذَا تَعَيَّنَ أَصْحَابُ الْأَوْلَوِيَّةِ بِلَا نِزَاعٍ فَذَاكَ، وَإِلَّا فَالْحَاكِمُ هُوَ الَّذِي يُقَدِّمُ مَنْ يَرَاهُ الْأَوْلَى.
(١٥) صِحَّةُ شَهَادَةِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَالْعَمَلُ بِهَا فِي الْجُمْلَةِ، وَأَخَّرْنَاهُ لِيَتَّصِلَ بِمَا نُوَضِّحُهُ فِي الْفَصْلِ الْآتِي.
كُلُّ هَذِهِ الْأَحْكَامِ مَفْهُومَةٌ مِنَ الْآيَتَيْنِ، فَتَأَمَّلْ جَمْعَهُمَا لِهَذِهِ الْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ عَلَى إِيجَازِهِمَا وَإِيضَاحِهِمَا لِلْمَعْنَى الْمَقْصُودِ بِهِمَا بِالذَّاتِ.
فَصْلٌ فِي حُكْمِ شَهَادَةِ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
هَذَا بَحْثٌ شَرْعِيٌّ يَجِبُ أَنْ نُعْطِيَهُ حَقَّهُ مِنَ الِاسْتِقْلَالِ فِي الِاسْتِدْلَالِ فَنَقُولُ: اعْلَمْ أَنَّ آيَاتِ الْقُرْآنِ فِي الْإِشْهَادِ وَالِاسْتِشْهَادِ مِنْهَا الْمُطْلَقُ وَمِنْهَا الْمُقَيَّدُ. قَالَ تَعَالَى فِي اللَّاتِي يَأْتِينَ

صفحة رقم 191

الْفَاحِشَةَ مِنَ الْمُسْلِمَاتِ: (فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ) (٤: ١٥) الْآيَةَ. وَقَالَ تَعَالَى فِي شَأْنِ الْمُطَلَّقَاتِ الْمُعْتَدَّاتِ: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) (٦٥: ٢) وَقَالَ تَعَالَى فِي آيَةِ التَّدَايُنِ: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) ثُمَّ قَالَ فِيهَا: (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ) (٢: ٢٨٢) وَلَمْ يَقُلْ هُنَا: " ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ " وَمَثَلُهُ فِي الْإِطْلَاقِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْيَتَامَى: (فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ) (٤: ٦).
فَإِذَا تَأَمَّلْنَا فِي هَذِهِ الْآيَاتِ مَعَ آيَتَيِ الْمَائِدَةِ اللَّتَيْنِ نَحْنُ فِي صَدَدِ تَفْسِيرِهِمَا وَبَحَثْنَا عَنْ حِكْمَةِ الْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ فِيهِنَّ كُلِّهِنَّ، نَرَى أَنَّهُ جَلَّ وَعَزَّ اشْتَرَطَ فِي الِاسْتِشْهَادِ أَوِ الْإِشْهَادِ فِي الْوَقَائِعِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأُمُورِ الْمُؤْمِنَاتِ الشَّخْصِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْإِشْهَادُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْقَيْدَ فِي الْإِشْهَادِ عَلَى دَفْعِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى إِلَيْهِمْ، وَلَا فِي الْإِشْهَادِ عَلَى الْبَيْعِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَحْكَامِ الْمَالِيَّةِ الْمَحْضَةِ وَأَحْكَامِ النِّسَاءِ الْمُؤْمِنَاتِ جَلِيٌّ وَاضِحٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي آيَةِ الدَّيْنِ وَهِيَ فِي الْأَحْكَامِ الْمَالِيَّةِ: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ) فَظَاهِرُ
اللَّفْظِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الرِّجَالُ الْمُؤْمِنُونَ لِأَنَّهُمُ الْمُخَاطَبُونَ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجَمَاهِيرُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْوَصْفُ لِأَجْلِ بَيَانِ تَقْدِيمِ صِنْفِ الرِّجَالِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى مَا يُقَابِلُهُ مِنْ شَهَادَةِ الصِّنْفَيْنِ، وَأَنَّ الْإِضَافَةَ فِيهِ رُوعِيَ فِيهَا الْوَاقِعُ أَوِ الْغَالِبُ بِقَرِينَةِ وَصْفِ الْمُقَابِلِ بِقَوْلِهِ: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) إِذْ لَمْ يَقُلْ: " مِنْ شُهَدَائِكُمْ " أَوْ " مِنْ رِجَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ " تَمَّ بِقَرِينَةِ إِطْلَاقِ الْأَمْرِ بِالْإِشْهَادِ عَلَى الدَّيْنِ فِي الْآيَةِ نَفْسِهَا.
فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَوْ أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يُبَيِّنَ لَنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُشْهِدَ فِي الْأَعْمَالِ الْمَالِيَّةِ غَيْرَ الْمُؤْمِنِينَ لَجَاءَ فِي كُلِّ نَصٍّ مِنْ تِلْكَ النُّصُوصِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ تَقَارَبَتْ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ فِي الْأُمُورِ الْعَامَّةِ: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (٤: ٨٣) وَإِنَّمَا يَدُلُّ مَجْمُوعُ الْآيَاتِ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ أَوِ الْكَمَالَ فِي الْإِشْهَادِ أَنْ يَكُونَ الشُّهُودُ مِنْ عُدُولِ الْمُؤْمِنِينَ لِلثِّقَةِ بِشَهَادَتِهِمْ، وَالِاحْتِرَازِ مِنَ الْكَذِبِ وَالزُّورِ وَالْخِيَانَةِ الَّتِي يَكْثُرُ وُقُوعُهَا مِمَّنْ لَا ثِقَةَ بِأَيْمَانِهِمْ وَعَدَالَتِهِمْ، وَأَنْ يَلْتَزِمَ هَذَا الْأَصْلَ فِي الْإِشْهَادِ عَلَى الْأُمُورِ الْخَاصَّةِ بِنِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَبُيُوتِهِمْ إِذْ لَا يَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى غَيْرِهِمْ، وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِ سِوَاهُمْ أَنْ يَعْرِفَهَا، وَلِوُجُوبِ الِاحْتِيَاطِ فِيهَا; وَلِذَلِكَ قَالَ فِي آيَةِ الطَّلَاقِ: (ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) وَوُرُودُ نَصِّ الْقُرْآنِ فِيمَنْ يَقْذِفُ امْرَأَةً بِأَنْ يُجْلَدَ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَأَلَّا تُقْبَلَ لَهُ شَهَادَةٌ أَبَدًا.

صفحة رقم 192

وَبِنَاءً عَلَى هَذَا يُقَالُ فِي آيَةِ الْمَائِدَةِ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدَّمَ إِشْهَادَ عُدُولِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ عَلَى الْوَجْهِ الْكَامِلِ، وَأَجَازَ إِشْهَادَ غَيْرِهِمْ فِي الْحَالِ الَّتِي لَا يَتَيَسَّرُ فِيهَا ذَلِكَ، وَإِنَّ الشَّرْطَ فِي قَوْلِهِ: (إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) جَاءَ لِبَيَانِ هَذَا الْحَالِ فَمَفْهُومُهُ غَيْرُ مُرَادِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا) (٢٤: ٣٣) وَمَنْ يَرَى رَأْيَ الْحَنَفِيَّةِ فِي عَدَمِ الِاحْتِجَاجِ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ وَمَفْهُومِ اللَّقَبِ يُمْكِنُهُ أَنْ يُرَجِّحَ هَذَا الْقَوْلَ أَيَّ تَرْجِيحٍ، وَالْكَلَامُ فِيمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ آيَاتُ الْقُرْآنِ، دُونَ مَا يُدَّعَى فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ قِيَاسٍ أَوْ إِجْمَاعِ فُقَهَاءَ.
وَدُونَكَ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ عَنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الْفِقْهِ كَمَا لَخَّصَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ وَنَقَلَهُ الشَّوْكَانِيُّ عَنْهُ فِي (نَيْلِ الْأَوْطَارِ) فِي شَرْحِ حَدِيثِ
ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ السَّهْمِيِّ الْمُتَقَدِّمَةِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ قَالَ:
" وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ شَهَادَةِ الْكُفَّارِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَيْرِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الْكُفَّارُ، وَالْمَعْنَى (مِنْكُمْ) أَيْ مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) أَيْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ دِينِكُمْ، وَبِذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَقُولُ بِظَاهِرِهَا، فَلَا يُجِيزُ شَهَادَةَ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَإِنَّمَا يُجِيزُ شَهَادَةَ بَعْضِ الْكُفَّارِ عَلَى بَعْضٍ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ بِمَنْطُوقِهَا عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَبِإِيمَائِهَا عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ الْكَافِرِ عَلَى الْكَافِرِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، ثُمَّ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ فَبَقِيَتْ شَهَادَةُ الْكَافِرِ عَلَى الْكَافِرِ عَلَى حَالِهَا، وَهَذَا الْجَوَابُ عَلَى التَّعَقُّبِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّ التَّعَقُّبَ هُوَ بِاعْتِبَارِ مَا يَقُولُهُ أَبُو حَنِيفَةَ لَا بِاعْتِبَارِ اسْتِدْلَالِهِ.
" وَخَصَّ جَمَاعَةٌ الْقَبُولَ بِأَهْلِ الْكِتَابِ وَبِالْوَصِيَّةِ وَبِفَقْدِ الْمُسْلِمِ حِينَئِذٍ، وَمِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَشُرَيْحٌ وَابْنُ سِيرِينَ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَأَحْمَدُ، وَأَخَذُوا بِظَاهِرِ الْآيَةِ وَحَدِيثِ الْبَابِ، فَإِنَّ سِيَاقَهُ مُطَابِقٌ لِظَاهِرِ الْآيَةِ.
" وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْغَيْرِ غَيْرُ الْعَشِيرَةِ، وَالْمَعْنَى مِنْكُمْ أَيْ مِنْ عَشِيرَتِكُمْ، أَوْ آخَرَانِ مِنْ

صفحة رقم 193

غَيْرِكُمْ أَيْ مِنْ غَيْرِ عَشِيرَتِكُمْ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ النَّحَّاسُ بِأَنْ لَفْظِ " آخَرَ " لَا بُدَّ أَنْ يُشَارِكَ الَّذِي قَبْلَهُ فِي الصِّفَةِ حَتَّى لَا يَسُوُغَ أَنْ يَقُولَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ كَرِيمٍ وَلَئِيمٍ آخَرَ، فَعَلَى هَذَا فَقَدَ وُصِفَ الِاثْنَانِ بِالْعَدَالَةِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْآخَرَانِ كَذَلِكَ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا وَإِنْ سَاغَ فِي الْآيَةِ لَكِنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَالصَّحَابِيُّ إِذَا حَكَى سَبَبَ النُّزُولِ كَانَ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ اتِّفَاقًا وَأَيْضًا فَفِيمَا قَالَ رَدَّ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ بِالْمُخْتَلَفِ فِيهِ; لِأَنَّ اتِّصَافَ الْكَافِرِ بِالْعَدَالَةِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَهُوَ فَرْعُ قَبُولِ شَهَادَتِهِ، فَمَنْ قَبِلَهَا وَصَفَهُ بِهَا وَمَنْ لَا فَلَا.
وَاعْتَرَضَ أَبُو حَيَّانَ عَلَى الْمِثَالِ الَّذِي ذَكَرَهُ النَّحَّاسُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُطَابِقٍ، فَلَوْ قُلْتَ جَاءَنِي رَجُلٌ مُسْلِمٌ وَآخَرُ كَافِرٌ صَحَّ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قُلْتَ جَاءَنِي رَجُلٌ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ آخَرُ وَالْآيَةُ مِنْ قَبِيلِ الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي; لِأَنَّ قَوْلَهُ آخَرَانِ مِنْ جِنْسِ قَوْلِهِ اثْنَانِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا صِفَةُ رَجُلَانِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ فَرَجُلَانِ اثْنَانِ وَرَجُلَانِ آخَرَانِ.
" وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) وَاحْتَجُّوا بِالْإِجْمَاعِ عَلَى رَدِّ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ، وَالْكَافِرُ شَرٌّ مِنَ الْفَاسِقِ. وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ أَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ، وَأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ أَوْلَى مِنْ إِلْغَاءِ أَحَدِهِمَا، وَبِأَنَّ سُورَةَ الْمَائِدَةِ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلْ مِنَ الْقُرْآنِ، حَتَّى صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَعَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ وَجَمْعٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّ سُورَةَ الْمَائِدَةِ مُحْكَمَةٌ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَنْ مَاتَ مُسَافِرًا وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنِ اتُّهِمَا اسْتُحْلِفَا. أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَأَنْكَرَ أَحْمَدُ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ عَمِلَ بِذَلِكَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَاقَ الْحَافِظُ الْحَدِيثَ وَقَالَ: إِنْ حُكْمَهُ لَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَكَانَ حُجَّةً، وَذَكَرَ رَدَّ الطَّبَرِيِّ وَالرَّازِيِّ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا فِي الْأَقَارِبِ وَالْأَجَانِبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ كُلُّهُ ثُمَّ قَالَ:
" وَذَهَبَ الْكَرَابِيسِيُّ وَالطَّبَرِيُّ وَآخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّهَادَةِ فِي الْآيَةِ الْيَمِينُ قَالُوا: وَقَدْ سَمَّى اللهُ الْيَمِينَ شَهَادَةً فِي آيَةِ اللِّعَانِ، وَأَيَّدُوا ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الشَّاهِدَ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ أَشْهَدُ بِاللهِ، وَأَنَّ الشَّاهِدَ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ إِنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ، قَالُوا: فَالْمُرَادُ
بِالشَّهَادَةِ الْيَمِينُ لِقَوْلِهِ: (فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ) أَيْ يَحْلِفَانِ، فَإِنْ عَرَفَ أَنَّهُمَا حَلَفَا عَلَى الْإِثْمِ رَجَعَتِ الْيَمِينُ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْيَمِينَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ عَدَدٌ وَلَا عَدَالَةٌ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ وَقَدِ اشْتُرِطَا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَقَوِيَ حَمْلُهَا عَلَى أَنَّهَا شَهَادَةٌ.
" وَأَمَّا اعْتِلَالُ مَنِ اعْتَلَّ فِي رَدِّهَا بِأَنَّ الْآيَةَ تُخَالِفُ الْقِيَاسَ وَالْأُصُولَ لِمَا فِيهَا مِنْ قَبُولِ

صفحة رقم 194

شَهَادَةِ الْكَافِرِ وَحَبْسِ الشَّاهِدِ وَتَحْلِيفِهِ، وَشَهَادَةِ الْمُدَّعِي لِنَفْسِهِ، وَاسْتِحْقَاقِهِ بِمُجَرَّدِ الْيَمِينِ فَقَدْ أَجَابَ مَنْ قَالَ بِهِ بِأَنَّهُ حُكْمٌ بِنَفْسِهِ مُسْتَغْنٍ عَنْ نَظِيرِهِ، وَقَدْ قُبِلَتْ شَهَادَةُ الْكَافِرِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ كَمَا فِي الطِّبِّ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْحَبْسِ السِّجْنَ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْإِمْسَاكُ لِلْيَمِينِ لِيَحْلِفَ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا تَحْلِيفُ الشَّاهِدِ فَهُوَ مَخْصُوصٌ بِهَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ قِيَامِ الرِّيبَةِ، وَأَمَّا شَهَادَةُ الْمُدَّعِي لِنَفْسِهِ وَاسْتِحْقَاقِهِ بِمُجَرَّدِ الْيَمِينِ فَإِنَّ الْآيَةَ تَضَمَّنَتْ نَقْلَ الْأَيْمَانِ إِلَيْهِمْ عِنْدَ ظُهُورِ اللَّوْثِ بِخِيَانَةِ الْوَصِيَّيْنِ، فَيُشْرَعُ لَهُمَا أَنْ يَحْلِفَا وَيَسْتَحِقَّا، كَمَا يُشْرَعُ لِمُدَّعِي الْقَسَامَةِ أَنْ يَحْلِفَ وَيَسْتَحِقَّ. فَلَيْسَ هُوَ مِنْ شَهَادَةِ الْمُدَّعِي لِنَفْسِهِ بَلْ مِنْ بَابِ الْحُكْمِ لَهُ بِيَمِينِهِ الْقَائِمَةِ مَقَامَ الشَّهَادَةِ لِقُوَّةِ جَانِبِهِ. وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ ظُهُورِ اللَّوْثِ فِي صِحَّةِ الدَّعْوَى بِالدَّمِ وَظُهُورِهِ فِي صِحَّةِ الدَّعْوَى بِالْمَالِ؟ وَحَكَى الطَّبَرِيُّ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) الْوَصِيَّانِ: قَالَ: وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ) مَعْنَى الْحُضُورِ لِمَا يُوصِيهِمَا بِهِ الْوَصِيُّ ثُمَّ زَيْفُ ذَلِكَ " اهـ.
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ بَعْدَ نَقْلِ مَا تَقَدَّمَ عَنِ الْفَتْحِ. وَهَذَا الْحُكْمُ يَخْتَصُّ بِالْكَافِرِ الذِّمِّيِّ، وَأَمَّا الْكَافِرُ الَّذِي لَيْسَ بِذِمِّيٍّ فَقَدْ حَكَى فِي الْبَحْرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ قَبُولِ شَهَادَتِهِ عَلَى الْمُسْلِمِ مُطْلَقًا انْتَهَى. وَأَقُولُ: مَا أَوْرَدَهُ الشَّوْكَانِيُّ مِنْ دَعْوَى صَاحِبِ الْبَحْرِ مِنْ أَئِمَّةِ الزَّيْدِيَّةِ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ قَبُولِ شَهَادَةِ الْكَافِرِ غَيْرِ الذِّمِّيِّ مُطْلَقًا مَرْدُودٌ بِمَا نَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَاخْتَارَ أَنَّ " غَيْرِكُمْ " يَدْخُلُ فِيهِ الْمَجُوسُ وَعَبَدَةُ الْأَوْثَانِ وَأَهْلُ كُلِّ دِينٍ.
سَعَةُ أَحْكَامِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَتَضْيِيقُ الْفُقَهَاءِ:
وَبَقِيَ هَهُنَا بَحْثٌ مُهِمٌّ، وَهُوَ أَنَّ أَحْكَامَ الْقُرْآنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفِي غَيْرِهَا أَوْسَعُ مِمَّا جَرَى عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ، وَكَذَلِكَ أَحْكَامُ السُّنَّةِ، وَكُلُّ مَا فِي الْفِقْهِ مِنَ التَّشْدِيدِ وَالتَّقْيِيدِ فَهُوَ مِنَ اجْتِهَادِ الْفُقَهَاءِ، وَلَا سِيَّمَا الْمُصَنِّفِينَ مِنْهُمُ الَّذِينَ جَاءُوا بَعْدَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. وَأَوْلَى الْأَحْكَامِ الِاجْتِهَادِيَّةِ بِالنَّظَرِ وَالِاعْتِبَارِ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ كِبَارُ الْمُجْتَهِدِينَ، وَجَرَى عَلَيْهِ عَمَلُ حُكَّامِ الْعُصُورِ الْأُولَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْهُ عَدَمُ قَبُولِ شَهَادَةِ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي الْقَضَايَا الشَّخْصِيَّةِ وَالْمَدَنِيَّةِ وَالْجِنَائِيَّةِ عَلَى سَوَاءٍ، فَمَا سَبَبُ ذَلِكَ؟ وَلِمَاذَا لَمْ يَأْخُذُوا بِظَاهِرِ آيَةِ الْمَائِدَةِ وَهِيَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ فَيَعُدُّوهَا شَارِعَةً لِقَبُولِ شَهَادَةِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ عِنْدَ الْحَاجَةِ مُطْلَقًا، أَوْ فِي غَيْرِ مَا وَرَدَ النَّصُّ بِإِشْهَادِ الْمُسْلِمِينَ الْعُدُولِ عَلَيْهِ لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِي ذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا فِي بَيَانِ الْمُقَابَلَةِ بَيْنَ آيَاتِ الشَّهَادَةِ؟ أَوْ لَيْسَ الْغَرَضُ مِنَ الشَّهَادَةِ أَنْ تَكُونَ بَيِّنَةً يُعْرَفُ بِهَا الْحَقُّ، وَقَدْ يَتَوَقَّفُ بَيَانُهُ عَلَى شَهَادَةِ شُهَدَاءَ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ يَثِقُ الْحَاكِمُ بِصِدْقِهِمْ وَصِحَّةِ شَهَادَتِهِمْ؟.
الْجَوَابُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ يُعْلَمُ بِالنَّظَرِ فِيمَا اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى مَنْعِ شَهَادَةِ الْكَافِرِ وَبِمَعْرِفَةِ

صفحة رقم 195

حَالِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْكَفَّارِ فِي عَصْرِ التَّنْزِيلِ وَعَصْرِ وَضْعِ الْفِقْهِ وَالتَّصْنِيفِ فِيهِ وَعَمَلِ الْحُكَّامِ بِاجْتِهَادِهِمْ ثُمَّ بِأَقْوَالِ عُلَمَائِهِ.
فَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ فَقَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ لَهُ مِنَ الْقُرْآنِ مَأْخَذَيْنِ:
(الْمَأْخَذُ الْأَوَّلُ) : جَعْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) مُقَيِّدًا لِلْإِطْلَاقِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ) وَفِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ أَبْحَاثٌ.
(أَحَدُهَا) : أَنَّهُ مِنْ مَسَائِلِ الْأُصُولِ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيهَا الْمُتَفَقِّهُونَ عَلَى مَنْعِ شَهَادَةِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُطْلَقَ وَالْمُقَيَّدَ إِذَا اخْتَلَفَا فِي السَّبَبِ وَالْحُكْمِ لَا يُحْمَلُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَإِذَا اتَّفَقَا فَالْخِلَافُ فِي عَدَمِ الْحَمْلِ ضَعِيفٌ وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْحَمْلِ، وَأَمَّا إِذَا اخْتَلَفَا فِي السَّبَبِ دُونَ الْحُكْمِ كَمَسَائِلِ الْإِشْهَادِ عَلَى النِّسَاءِ وَالْيَتَامَى وَالْبَيْعِ وَالْوَصِيَّةِ وَكَذَا عِتْقُ الرَّقَبَةِ فِي كَفَّارَاتِ الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ وَالْيَمِينِ. فَالْخِلَافُ فِي الْحَمْلِ وَعَدَمِهِ قَوِيٌّ وَالْأَقْوَالُ فِيهِ مُتَعَدِّدَةٌ. فَلِمَ اتَّفَقَ الْمُخْتَلِفُونَ فِيهَا عَلَى مَنْعِ شَهَادَةِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ مُطْلَقًا أَوْ فِيمَا عَدَا الْوَصِيَّةَ أَوِ الطِّبَّ؟.
(ثَانِيهَا) : أَنَّ الْإِشْهَادَ الِاخْتِيَارِيَّ غَيْرُ الشَّهَادَةِ. فَالْأَمْرُ بِاخْتِيَارِ أَفْضَلِ النَّاسِ إِيمَانًا وَعَدَالَةً لِلْإِشْهَادِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الِاعْتِدَادِ بِشَهَادَةِ مَنْ دُونَهُمْ فِي الْفَضِيلَةِ. فَإِنَّ الشَّهَادَةَ بَيِّنَةٌ. وَالْبَيِّنَةُ كُلُّ مَا يُتَبَيَّنُ بِهِ الْحَقُّ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَقَدْ أَطَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي إِثْبَاتِ هَذَا وَإِيضَاحِهِ فِي كِتَابِ (إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ).
(ثَالِثُهَا) : أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) فِيهِ تَوْسِعَةٌ عَظِيمَةٌ فِي
الْإِشْهَادِ وَنَحْنُ إِلَى التَّوْسِعَةِ فِي الشَّهَادَةِ نَفْسِهَا أَحْوَجُ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْجِنَايَاتِ وَالْعُقُودِ وَالْإِقْرَارِ قَدْ تَقَعُ مِنْ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَرْأًى وَمَسْمَعٍ مِنْ غَيْرِهِمْ وَقَدْ يَكُونُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَمِعُوا وَرَأَوْا مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ; لِأَنَّ دِينَهُمْ يُحَرِّمُ الْكَذِبَ وَالْخِيَانَةَ. فَلِمَاذَا نُضَيِّعُ أَمْثَالَ هَذِهِ الْحُقُوقِ الَّتِي يُمْكِنُ إِثْبَاتُهَا بِشَهَادَتِهِمْ إِذَا تَجَرَّأَ الَّذِينَ أَنْكَرُوهَا عَلَى الْيَمِينِ كَمَا تَجَرَّءُوا عَلَى الْكَذِبِ بِالْإِنْكَارِ؟
(الْمَأْخَذُ الثَّانِي) : أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَمَرَنَا أَنْ نُشْهِدَ ذَوَيْ عَدْلٍ مِنَّا مَعْشَرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَعِلَّةُ ذَلِكَ بَدِيهِيَّةٌ وَهِيَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ الْعَدْلَ، يَتَحَرَّى الصِّدْقَ الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ الْحَقُّ، وَنَحْنُ نَشْتَرِطُ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ الْأَمْرَيْنِ. وَنَرَى أَنَّ غَيْرَ الْمُؤْمِنِ الْمُسْلِمِ لَا يَكُونُ صَادِقًا عَدْلًا. وَإِذَا كَانَ فَقْدُ الْعَدَالَةِ يُوجِبُ رَدَّ الشَّهَادَةِ عِنْدَنَا فَفَقْدُ الْإِيمَانِ أَوْلَى بِذَلِكَ.
وَفِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) : أَنَّ الْإِيمَانَ بِاللهِ وَبِشَرْعٍ لَهُ يُحَرِّمُ الْكَذِبَ كَافٍ لِتَحْقِيقِ الْمَقْصِدِ الَّذِي تَتَوَخَّوْنَهُ مِنَ الشَّهَادَةِ، وَهَذَا مِمَّا يُوجَدُ فِي غَيْرِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْمِلَلِ، وَقَوْلُكُمْ: إِنَّ غَيْرَ الْمُسْلِمِ لَا يَكُونُ صَادِقًا وَلَا عَدْلًا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنَ النَّقْلِ، وَلَا مِنْ سِيرَةِ الْبَشَرِ الْمَعْلُومَةِ بِالِاخْتِبَارِ وَالْعَقْلِ

صفحة رقم 196

أَمَّا النَّقْلُ فَقَدْ جَاءَ عَلَى خِلَافِهِ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) (٧: ١٥٩) فَإِنَّ حَمْلَ هَذَا عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَ بَعْثَةِ نَبِيِّنَا أَوْ عَلَى مَنْ آمَنَ بِهِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) (٣: ٧٥) فَهَذِهِ شَهَادَةٌ لَهُمْ بِالْأَمَانَةِ وَقَدِ اسْتَشْهَدَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ الْيَهُودِ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ فِي التَّوْرَاةِ فَاعْتَرَفَ بِهَا بَعْضُهُمْ لَمَّا أَقْسَمَ عَلَيْهِ بِاللهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْارَةَ عَلَى مُوسَى [رَاجِعْ ص ٣١٩ ج٦ط الْهَيْئَةِ] وَقَدْ بَيَّنَّا فِي التَّفْسِيرِ مِرَارًا عَدْلَ الْقُرْآنِ وَدِقَّتَهُ فِي الْحُكْمِ بِالْفَسَادِ عَلَى الْأُمَمِ، إِذْ يَحْكُمُ عَلَى الْأَكْثَرِ أَنْ يُسْتَثْنَى بَعْدَ إِطْلَاقِ الْحُكْمِ الْعَامِّ. وَمَا رُوِيَ مِنْ قَبُولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لِشَهَادَتِهِمْ فِي الْوَصِيَّةِ عَمَلًا بِالْقُرْآنِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي خَبَرِ الْإِنْسَانِ الصِّدْقُ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا، وَأَنَّهُ لَا يَعْدِلُ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ إِلَّا عِنْدَ وُجُودِ التُّهْمَةِ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ السَّلَفِ وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ إِثْبَاتَ عَدَالَتِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ الْحَافِظِ ابْنِ حَجْرٍ (ص١٩٤) وَبِهَا يَسْقُطُ قِيَاسُ الْكَافِرِ عَلَى الْفَاسِقِ وَقَدْ قَبِلَ الْمُحَدِّثُونَ رِوَايَةَ الْمُبْتَدِعِ الَّذِي يُحَرِّمُ الْكَذِبَ مُطْلَقًا أَوْ فِيمَا عَدَا تَأْيِيدَ بِدْعَتِهِ،
وَأَمَّا سِيرَةُ الْبَشَرِ الْمَعْلُومَةُ بِنَقْلِ الْمُؤَرَّخَيْنِ وَبِسُنَنِ اللهِ فِي أَخْلَاقِ الْبَشَرِ وَطِبَاعِهِمُ الَّتِي هِيَ الْقَانُونُ الْعَقْلِيُّ لِمَنْ يُرِيدُ الْحُكْمَ الصَّحِيحَ عَلَيْهِمْ فَهِيَ مُؤَيِّدَةٌ لِحُكْمِ الْقُرْآنِ الْعَادِلِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَالْكُفَّارِ مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ بِمِثْلِ قَوْلِهِ: (وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ) (٧: ١٠٢) وَقَوْلِهِ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ) (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) (وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) (وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ) وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ. وَهُوَ خَاصٌّ بِأَحْوَالِ الْأُمَمِ فِي طَوْرِ الْفَسَادِ وَضَعْفِ الدِّينِ وَالْأَخْلَاقِ، الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ جَمِيعُ أَهْلِ الْمِلَلِ عِنْدَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ فَنَنْتَقِلُ إِذًا إِلَى بَيَانِ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي نَرَاهَا هِيَ السَّبَبَ الِاجْتِمَاعِيَّ الْحَقِيقِيَّ لِعَدَمِ قَبُولِ شَهَادَةِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ فَنَقُولُ:
[الثَّانِي] : حَالُ الْمُسْلِمِينَ مَعَ غَيْرِهِمْ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ:
إِنَّ حَالَةَ الْأُمَمِ الِاجْتِمَاعِيَّةَ وَالسِّيَاسِيَّةَ وَالْأَدَبِيَّةَ لَهَا شَأْنٌ كَبِيرٌ فِي تَطْبِيقِ الْأَحْكَامِ عَلَى الْوَقَائِعِ وَهُوَ مَا يُسَمِّيهِ عُلَمَاءُ الْأُصُولِ (تَحْقِيقَ الْمَنَاطِ) وَمَنْ عَرَفَ التَّارِيخَ وَفِقْهَ قَوَاعِدِ عِلْمِ الِاجْتِمَاعِ مِنْهُ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَفْقَهُ سَبَبَ إِعْرَاضِ الْفُقَهَاءِ وَالْحُكَّامِ عَنْ قَبُولِ شَهَادَةِ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، وَأَحَقُّ مَا يَجِبُ فِقْهُهُ مِنْ تِلْكَ الْقَوَاعِدِ أَرْبَعٌ يَنْبَغِي التَّأَمُّلُ فِيهَا بِعَيْنِ الْعَقْلِ وَالْإِنْصَافِ.
(الْأُولَى) : مَا كَانَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فِي الْقُرُونِ الْأُولَى لِلْإِسْلَامِ مِنَ الِاسْتِمْسَاكِ بِعُرْوَةِ الْحَقِّ

صفحة رقم 197

وَإِقَامَةِ مِيزَانِ الْعَدْلِ، وَعَدَمِ الْمُحَابَاةِ وَالتَّفْرِقَةِ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ وَقَرِيبٍ وَبِعِيدٍ وَصَدِيقٍ وَعَدُوٍّ، عَمَلًا بِنُصُوصِ الْقُرْآنِ.
(الثَّانِيَةُ) : مَا كَانَ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْأُمَمِ الَّتِي فَتَحُوا بِلَادَهَا، وَأَقَامُوا شَرِيعَتَهُمْ فِيهَا مِنْ ضَعْفِ وَازِعِ الدِّينِ وَفَسَادِ الْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ، وَقَدْ قَرَّرَ ذَلِكَ مُؤَرِّخُو الْإِفْرِنْجِ وَغَيْرِهِمْ وَجَعَلُوهُ أَوَّلَ الْأَسْبَابِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ لِسُرْعَةِ الْفَتْحِ الْإِسْلَامِيِّ فِي الْخَافِقَيْنِ.
(الثَّالِثَةُ) : مَا جَرَى عَلَيْهِ الْفَاتِحُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّوْسِعَةِ عَلَى أَهْلِ ذِمَّتِهِمْ فِي الِاسْتِقْلَالِ الدِّينِيِّ وَالْمَدَنِيِّ; إِذْ كَانُوا يَسْمَحُونَ لَهُمْ بِأَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى رُؤَسَائِهِمْ فِي الْأُمُورِ الشَّخْصِيَّةِ وَغَيْرِهَا، فَكَانَ مِنَ الْمَعْقُولِ مَعَ هَذَا أَلَّا يُشْهِدُوهُمْ عَلَى قَضَايَا
أَنْفُسِهِمُ الْخَاصَّةِ، وَأَنْ يَمْنَعَهُمْ نَظَرَهُمْ إِلَى مَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاوُتِ فِي الْأَحْوَالِ الدِّينِيَّةِ وَالْأَدَبِيَّةِ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا آنِفًا مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، مَعَ عَدَمِ ثِقَتِهِمْ وَعَدَالَتِهِمْ.
(الرَّابِعَةُ) : تَأْثِيرُ عِزَّةِ السُّلْطَانِ وَعَهْدِ الْفَتْحِ الَّذِي كَانَتِ الْأَحْكَامُ فِيهِ أَشْبَهَ بِمَا يُسَمُّونَهُ الْآنَ بِالْأَحْكَامِ الْعَسْكَرِيَّةِ. وَاعْتُبِرَ ذَلِكَ بِأَحْكَامِ دُوَلِ الْإِفْرِنْجِ فِي أَيَّامِ الْحَرْبِ، بَلْ فِي الْمُسْتَعْمَرَاتِ الَّتِي طَالَ عَلَيْهَا عَهْدُ الْفَتْحِ أَوْ مَا يُشْبِهُ الْفَتْحَ. يَتَبَيَّنُ لَكَ أَنَّ أَشَدَّ أَحْكَامِ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَحُكَّامِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ هِيَ أَقْرَبُ إِلَى الْعَدْلِ وَالرَّحْمَةِ مِنْ أَحْكَامِ أَرْقَى أُمَمِ الْمَدَنِيَّةِ مِنْ دُونِهِمْ.
وَقَدْ عُلِمَ مِنْ حَالِ الْبَشَرِ أَنَّ الْغَالِبَ قَلَّمَا يَرَى شَيْئًا مِنْ فَضَائِلِ الْمَغْلُوبِ وَإِنْ كَثُرَتْ، فَكَيْفَ يُرْجَى أَنْ يَرَى قَلِيلَهَا الضَّئِيلَ الْخَفِيَّ؟ وَالْجَمَاعَاتُ الْكَبِيرَةُ وَالصَّغِيرَةُ كَالْأَفْرَادِ فِي نَظَرِ كُلٍّ إِلَى نَفْسِهِ وَإِلَى أَبْنَاءِ جِنْسِهِ بِعَيْنِ الرِّضَا وَإِلَى مُخَالِفِهِ بِعَيْنِ السُّخْطِ، مِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ فُضْلَيَاتِ نِسَاءِ سِوِيسَرَةَ دِينًا وَأَدَبًا وَعِلْمًا رَاقَبَتْ أَحْوَالَ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ وَسِيرَتَهُ مُدَّةً طَوِيلَةً إِذْ كَانَ يَخْتَلِفُ إِلَى مَدَرَسَةِ (جِنِيفْ) لِتَلَقِّي آدَابِ اللُّغَةِ الْفَرَنْسِيَّةِ، وَكَلَّمَتْهُ مِرَارًا فِي مَسَائِلِ عِلْمِ الْأَخْلَاقِ وَالتَّرْبِيَةِ وَكَانَتْ بَارِعَةً وَمُصَنِّفَةً فِيهِمَا فَأَعْجَبَهَا رَأْيُهُ، كَمَا أَعْجَبَهَا فَضْلُهُ وَهَدْيُهُ، ثُمَّ قَالَتْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّنِي لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ قَبْلَ أَنْ عَرَفْتُكَ أَنَّ الْقَدَاسَةَ تُوجَدُ فِي غَيْرِ الْمَسِيحِيِّينَ.
فَمَنْ تَأَمَّلَ مَا ذُكِرَ تَجَلَّتْ لَهُ الْأَسْبَابُ الْمَعْنَوِيَّةُ وَالِاجْتِمَاعِيَّةُ الَّتِي صَدَّتِ الْحُكَّامَ وَالْفُقَهَاءَ عَنْ قَبُولِ شَهَادَةِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَتَعَجَّبَ مِنْ سَعَةِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ، الَّتِي يَتَوَهَّمُ الْجَاهِلُونَ أَنَّهَا ضِدُّ مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِطْلَاقِ وَمُوَافَقَةِ كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، فَتَرَاهُمْ يَنْسُبُونَ إِلَى الْقُرْآنِ كُلَّ مَا يُنْكِرُونَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ آرَائِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَأَحْكَامِهِمْ بِالْحَقِّ أَوْ بِالْبَاطِلِ، وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ عَامِلِينَ بِالْقُرْآنِ كَمَا يَجِبُ لَمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ، بَلْ لَاتَّبَعَهُمُ النَّاسُ فِي هَدْيِهِمْ. كَمَا اتَّبَعُوا سَلَفَهُمْ مِنْ قَبْلِهِمْ بَلْ لَكَانُوا أَشَدَّ اتِّبَاعًا لَهُمْ. بِمَا يَظْهَرُ لَهُمْ مِنْ مُوَافَقَةِ هِدَايَتِهِ لِهَذَا الزَّمَانِ كَغَيْرِهِ، وَكَوْنِهَا أَرْقَى مِنْ كُلِّ مَا وَصَلَ إِلَيْهِ الْبَشَرُ مِنْ نِظَامٍ وَأَحْكَامٍ، وَهَذَا مِنْ أَجْلِ مُعْجِزَاتِهِ الَّتِي تَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ الْأَزْمَانِ.

صفحة رقم 198

(إِعْرَابُ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ الَّذِي اضْطَرَبَ فِيهِ النُّحَاةُ).
قَدْ تَبَيَّنَ مِمَّا فَصَّلْنَاهُ أَنَّ الَّذِينَ عَدُّوا الْآيَتَيْنِ فِي غَايَةِ الصُّعُوبَةِ لِمُخَالَفَةِ مَذَاهِبِهِمْ لَهُمَا مُخْطِئُونَ وَأَنَّ الْوَاجِبَ رَدُّ الْمَذَاهِبِ إِلَيْهِمَا لَا تَأْوِيلُهُمَا لِتُوَافِقَا الْمَذَاهِبَ. وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَشْكَلُوا إِعْرَابَ جُمْلَةٍ مِنَ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ، وَعَدُّوا لِأَجْلِهَا الْآيَةَ أَوِ الْآيَاتِ فِي غَايَةِ الصُّعُوبَةِ، فَإِنَّمَا أَوْقَعَهُمْ فِي ذَلِكَ احْتِمَالُ التَّرْكِيبِ لِعِدَّةِ وُجُوهٍ مِنَ الْإِعْرَابِ بِمَا فِيهِ مِنْ تَعَدُّدِ الْقِرَاءَاتِ، مَعَ اعْتِيَادِهِمْ تَقْدِيمَ الْإِعْرَابِ عَلَى الْمَعْنَى وَجَعْلَهُ هُوَ الْمُبَيِّنَ لَهُ، وَقَدِ اسْتَحْسَنَّا بَعْدَ إِيضَاحِ تَفْسِيرِ الْآيَاتِ بِمَا تَقَدَّمَ أَنْ نَذْكُرَ مُلَخَّصَ مَا قِيلَ فِي إِعْرَابِ تِلْكَ الْجُمْلَةِ نَقْلًا عَنْ (رُوحِ الْبَيَانِ) الَّذِي يَلْتَزِمُ تَحْقِيقَ الْمَبَاحِثِ النَّحْوِيَّةِ فِي الْآيَاتِ، عَسَى أَنْ يَسْتَغْنِيَ الْقَارِئُ بِهِ عَنْ مُرَاجَعَةِ تَفْسِيرٍ آخَرَ، وَنَبْدَأُ بِجَوَابِ الشَّرْطِ لِأَنَّهُ مَبْدَأُ مَا اسْتَشْكَلُوهُ مِنَ الْإِعْرَابِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
(فَآخَرَانِ) أَيْ فَرَجُلَانِ آخَرَانِ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا) وَالْفَاءُ جَزَائِيَّةٌ وَهِيَ إِحْدَى مُسَوِّغَاتِ الِابْتِدَاءِ بِالنَّكِرَةِ وَلَا مَحْذُورَ فِي الْفَصْلِ بِالْخَبَرِ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَصِفَتِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: (مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ) وَقِيلَ: هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ فَالشَّاهِدَانِ آخَرَانِ، وَجُمْلَةُ يَقُومَانِ صِفَتُهُ، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ صِفَةٌ أُخْرَى. وَجَوَّزَ أَبُو الْبَقَاءِ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرٍ (يَقُومَانِ) وَقِيلَ: هُوَ فَاعِلُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: فَلْيَشْهَدْ آخَرَانِ. وَمَا بَعْدَهُ صِفَةٌ لَهُ، وَقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ وَالْجُمْلَةُ الْفِعْلِيَّةُ صِفَتُهُ وَضَمِيرُ (مَقَامَهُمَا) فِي جَمِيعِ الْأَوْجُهِ مُسْتَحَقٌّ لِلَّذِينِ اسْتَحَقَّا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِمَقَامِهِمَا مَقَامَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ الَّتِي تَوَلَّيَاهَا وَلَمْ يُؤَدِّيَاهَا كَمَا هِيَ بَلْ هُوَ مَقَامُ الْحَبْسِ وَالتَّحْلِيفِ. وَ " اسْتَحَقَّ " بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ عَلَى قِرَاءَةِ عَاصِمٍ فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ وَبِهَا قَرَأَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأُبَيٌّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وَفَاعِلُهُ (الْأَوْلَيَانِ) وَالْمُرَادُ مِنَ الْوُصُولِ أَهْلُ الْمَيِّتِ، وَمِنَ الْأَوْلَيَيْنِ الْأَقْرَبَانِ إِلَيْهِ الْوَارِثَانِ لَهُ الْأَحَقَّانِ بِالشَّهَادَةِ لِقُرْبِهِمَا وَاطِّلَاعِهِمَا، وَهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ الْآخَرَانِ الْقَائِمَانِ مَقَامَ اللَّذَيْنِ اسْتَحَقَّا إِثْمًا، إِلَّا أَنَّهُ أُقِيمَ الْمُظْهَرُ مَقَامَ ضَمِيرِهِمَا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى وَصْفِهِمَا بِهَذَا الْوَصْفِ، وَمَفْعُولُ " اسْتَحَقَّ " مَحْذُوفٌ
وَاخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِهِ، فَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنْ يُجَرِّدَهُمَا لِلْقِيَامِ بِالشَّهَادَةِ لِيُظْهِرُوا بِهِمَا كَذِبَ الْكَاذِبِينَ، وَقَدَّرَهُ أَبُو الْبَقَاءِ وَصِيَّتَهُمَا، وَقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَا لَهُمْ وَتَرِكَتَهُمْ. وَقَالَ الْإِمَامُ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْأَوْلِيَاءِ الْوَصِيَّانِ اللَّذَانِ ظَهَرَتْ خِيَانَتُهُمَا، وَسَبَبُ أَوْلَوِيَّتِهِمَا: أَنَّ الْمَيِّتَ عَيَّنَهُمَا لِلْوَصِيَّةِ، فَمَعْنَى " اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ " خَانَ فِي مَالِهِمْ وَجَنَى عَلَيْهِمُ الْوَصِيَّانِ اللَّذَانِ

صفحة رقم 199

عُثِرَ عَلَى خِيَانَتِهِمَا، وَعَلَى هَذَا لَا ضَرُورَةَ إِلَى الْقَوْلِ بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ، وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: " اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ " بِبِنَاءِ اسْتُحِقَّ لِلْمَفْعُولِ وَاخْتَلَفُوا فِي مَرْجِعِ ضَمِيرِهِ وَالْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ الْإِثْمُ وَالْمُرَادُ مِنَ الْمَوْصُولِ الْوَرَثَةُ; لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْإِثْمِ عَلَيْهِمْ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِمْ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الَّذِينَ جَنَى عَلَيْهِمْ وَارْتَكَبَ الذَّنْبَ بِالْقِيَاسِ إِلَيْهِمْ هُمُ الْوَرَثَةُ، وَقِيلَ: إِنَّهُ الْإِيصَاءُ، وَقِيلَ: الْوَصِيَّةُ لِتَأْوِيلِهَا بِمَا ذُكِرَ، وَقِيلَ: الْمَالُ، وَقِيلَ: إِنَّ الْفِعْلَ مُسْنَدٌ إِلَى الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ، وَكَذَا اخْتَلَفُوا فِي تَوْجِيهِ رَفْعِ (الْأَوْلَيَانِ) فَقِيلَ: إِنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (آخَرَانِ) أَيِ (الْأَوْلَيَانِ) بِأَمْرِ الْمَيِّتِ آخَرَانِ، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ فِيهِ الْإِخْبَارَ عَنِ النَّكِرَةِ بِالْمَعْرِفَةِ وَهُوَ مِمَّا اتُّفِقَ عَلَى مَنْعِهِ فِي مِثْلِهِ، وَقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ أَيْ هُمَا الْآخَرَانِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ الْبَيَانِيِّ، وَقِيلَ: بَدَلٌ مِنْ آخَرَانِ، وَقِيلَ: عَطْفُ بَيَانٍ عَلَيْهِ، وَيَلْزَمُهُ عَدَمُ اتِّفَاقِ الْبَيَانِ وَالْمُبَيَّنِ فِي التَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ مَعَ أَنَّهُمْ شَرَطُوهُ حَتَّى مَنْ جَوَّزَ تَنْكِيرَهُ، نَعَمْ نُقِلَ عَنْ نَزْرٍ عَدَمُ الِاشْتِرَاطِ، وَقِيلَ: هُوَ بَدَلٌ مِنْ فَاعِلِ يَقُومَانِ، وَكَوْنُ الْمُبْدَلِ مِنْهُ فِي حُكْمِ الطَّرْحِ لَيْسَ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ حَتَّى يَلْزَمَ خُلُوَّ تِلْكَ الْجُمْلَةِ الْوَاقِعَةِ خَبَرًا أَوْ صِفَةً عَنِ الضَّمِيرِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ طُرِحَ وَقَامَ هَذَا مَقَامَهُ كَانَ مِنْ وَضْعِ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ فَيَكُونُ رَابِطًا وَقِيلَ: هُوَ صِفَةُ آخَرَانِ وَفِيهِ. وَصْفُ النَّكِرَةِ بِالْمَعْرِفَةِ، وَالْأَخْفَشُ أَجَازَهُ هُنَا; لِأَنَّ النَّكِرَةَ بِالْوَصْفِ قَرُبَتْ مِنَ الْمَعْرِفَةِ قِيلَ: وَهَذَا عَلَى عَكْسِ
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي
فَإِنَّهُ يُؤَوَّلُ فِيهِ الْمَعْرِفَةُ بِالنَّكِرَةِ. وَهَذَا أُوِّلِ فِيهِ النَّكِرَةُ بِالْمَعْرِفَةِ، أَوْ جُعِلَتْ فِي حُكْمِهَا لِلْوَصْفِ، وَيُمْكِنُ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ بِأَنْ يَجْعَلَ الْأَوْلَيَانِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهِمَا كَالنَّكِرَةِ، وَعَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ أَنَّهُ نَائِبُ فَاعِلِ " اسْتَحَقَّ " وَالْمُرَادُ عَلَى هَذَا اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ انْتِدَابَ الْأَوْلَيَيْنِ مِنْهُمْ لِلشَّهَادَةِ كَمَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، أَوْ إِثْمَ الْأَوْلَيَيْنِ كَمَا قِيلَ، وَهُوَ تَثْنِيَةُ الْأَوْلَى قُلِبَتْ أَلِفُهُ يَاءً عِنْدَهَا، وَفِي عَلَى فِي " عَلَيْهِمْ " أَوْجُهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّهَا عَلَى بَابِهَا، وَالثَّانِي: أَنَّهَا بِمَعْنَى فِي، وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا بِمَعْنَى مِنْ، وَفَسَّرَ اسْتَحَقَّ بِطَلَبِ الْحَقِّ
وَبِحَقٍّ وَغَلَبٍ، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ وَخَلَفٌ وَحَمْزَةُ وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ عَنْهُ " اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوَّلِينَ " بِبِنَاءٍ اسْتَحَقَّ لِلْمَفْعُولِ وَالْأَوَّلِينَ جَمْعُ أَوَّلٍ الْمُقَابِلِ لِلْآخِرِ وَهُوَ مَجْرُورٌ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ الَّذِينَ أَوْ بَدَلٌ مِنْهُ أَوْ مِنْ ضَمِيرِ عَلَيْهِمْ أَوْ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَدْحِ. وَمَعْنَى الْأَوَّلِيَّةِ التَّقَدُّمُ عَلَى الْأَجَانِبِ فِي الشَّهَادَةِ، وَقِيلَ: التَّقَدُّمُ فِي الذِّكْرِ لِدُخُولِهِمْ فِي (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، وَقَرَأَ الْحَسَنُ " الْأَوَّلَانِ " بِالرَّفْعِ وَهُوَ كَمَا قَدَّمْنَا فِي الْأَوْلَيَانِ، وَقُرِئَ " الْأَوَّلَيْنِ " بِالتَّثْنِيَةِ وَالنَّصْبِ، وَقَرَأَ ابْنُ سِيرِينَ " الْأَوْلَيَيْنِ " بِيَاءَيْنِ، تَثْنِيَةُ أَوْلَى مَنْصُوبًا، وَقَرَأَ " الْأَوْلَيْنِ " بِسُكُونِ الْوَاوِ وَفَتْحِ اللَّامِ جَمْعُ أَوْلَى كَأَعْلَيْنِ، وَإِعْرَابُ ذَلِكَ ظَاهِرٌ اهـ.

صفحة رقم 200

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني

الناشر 1990 م
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية