ﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉ

المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه في الآية السالفة أن المرجع إليه بعد الموت، وأنه لابد من الحساب والجزاء يوم القيامة ـ أرشدنا إثر ذلك إلى الوصية قبل الموت وأنه تجب العناية بالإشهاد عليها حتى لا تضيع على مستحقيها.
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال :" كان تميم الداري وعدي بن بداء رجلين نصرانيين يتجران إلى مكة في الجاهلية ويطيلان الإقامة بها، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم حولا متجرهما إلى المدينة، فخرج بديل مولى عمرو بن العاص تاجرا حتى قدم المدينة، فخرجوا جميعا تجارا إلى الشام حتى إذا كانوا ببعض الطريق اشتكى بديل، فكتب وصية بيده ثم دسها في متاعه وأوصى إليهما، فلما فتحا متاعه فأخذا منه شيئا ثم حجراه كما كان، وقدما المدينة على أهله فدفعا متاعه ففتح أهله متاعه فوجدوا كتابه وعهده وما خرج به، وفقدوا شيئا فسألوهما عنه فقالوا هذا الذي قبضنا له ودفع إلينا، فقالوا لهما هذا كتابه بيده، قالوا ما كتمنا له شيئا، فترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت ـ إلى قوله ـ إنا إذا لمن الآثمين فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستحلفوهما في دبر صلاة العصر بالله الذي لا إله إلا هو ما قبضنا غير هذا ولا كتمنا، فمكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم ظهر معهما إناء من فضة منقوش مموه بالذهب فقال أهله هذا من متاعه، قالا نعم ولكنا اشتريناه منه ونسينا أن نذكره حين حلفنا فكرهنا أن نكذب نفوسنا، فترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية فإن عثر على أنهما استحقا إثما فأمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلين من أهل البيت أن يحلفا على ما كتما وغيبا ويستحقانه.
ثم إن تميما الداري أسلم وبايع النبي صلى الله عليه وسلم وكان يقول صدق الله ورسوله، أنا أخذت الإناء، ثم قال يا رسول الله إن الله يظهرك على أهل الأرض كلها فهب لي قرية عبنون من بيت لحم وهي القرية التي ولد فيها عيسى، فكتب له بها كتابا، فلما قدم عمر الشام أتاه تميم بكتاب رسول صلى الله عليه وسلم، فقال عمر : أنا حاضر ذلك فدفعها إليه.
ثم بين سبحانه الحكمة في شرع هذه الشهادة وهذه الأيمان فقال : ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم
الإيضاح : ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم أي ذلك الذي شرعناه من تكليف المؤتمن على الوصية أن يقوم على مرأى من الناس ويشهد بعد الصلاة ويقسم الأيمان المغلظة، أدنى الطرق وأقربها إلى أن يؤدي الشهداء الشهادة على وجهها بلا تبديل ولا تغيير، تعظيما لله ورهبة من عذابه ورغبة في ثوابه أو خوفا من الفضيحة التي تعقب استحقاقهما الإثم في الشهادة برد أيمان الورثة بعد أيمانهم تكون مبطلة لها، إذ من لم يمنعه خوف الله وتعظيمه أن يكذب لضعف دينه يمنعه خوف الخزي والفضيحة بين الناس.
واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين أي واتقوا الله وراقبوه في أيمانكم أن تحلفوا بها كاذبة، وأن تخونوا من ائتمنكم، واسمعوا ما يقال لكم وما توعظون به سمع إجابة وقبول لهذه الأحكام وغيرها، فإن لم تتقوا كنتم فاسقين عن أمر الله مطرودين من هدايته مستحقين لعقابه.
وقد استنبط العلماء من هاتين الآيتين فوائد وأحكاما نذكر أهمها فيما يلي :
( ١ ) الحديث على الوصية وعدم التهاون في أمرها في سفر أو حضر.
( ٢ ) الإشهاد عليها لتثبيت أمرها والرجاء في تنفيذها.
( ٣ ) بيان أن الأصل في الشاهدين عليها أن يكونا مؤمنين موثوقا بعدالتهما.
( ٤ ) بيان أن إشهاد غير المسلمين على الوصية جائز مشروع، لأن مقصد الشارع منها إذا لم يمكن أداؤه على وجه الكمال فلا يترك البتة.
( ٥ ) شرعية اختيار الأوقات التي تؤثر في قلوب الشهود ومقسمي الأيمان رجاء أن يصدقوا ويبروا فيها.
( ٦ ) التغليظ على الحالف بصيغة اليمين بأن يقول فيه ما يرجى أن يكون رادعا للحالف من الكذب.
( ٧ ) إن الأصل في أخبار الناس وشهاداتهم أن تكون مصدقة مقبولة، ومن ثم شرط في تحليف الشاهدين الارتياب في خبرهما.
( ٨ ) شرعية تحليف الشهود إذا ارتاب الحكام والخصوم في شهادتهم، وهو الذي عليه العمل الآن في أكثر الأمم وقد حتمته القوانين الوضعية لكثرة ما يقع من شهادة الزور.
( ٩ ) شرعية رد اليمين إلى من قام الدليل على ضياع حق له بيمين صار حالفها خصما له.
( ١٠ ) إذا احتيج إلى قيام بعض الورثة في أمر يتعلق بالتركة فأولاهم بذلك أقربهم إليه.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير