{وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد
صفحة رقم 86
إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} قوله عز وجل: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ... الآية. إِذْ ها هنا بمعنى (إذا) كما قال أبو النجم:
| (ثم جزاك الله عني إذ جزى | جنات عدن في السموات العلا) |
وبدأ بالتسبيح قبل الجواب لأمرين: أحدهما: تنزيهاً له عما أضيف إليه. الثاني: خضوعاً لعزته وخوفاً من سطوته. ثم قال: إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ فرد ذلك إلى علمه تعالى، وقد كان الله عالماً به أنه لم يقله، ولكن قاله تقريعاً لمن اتخذ عيسى إلهاً. تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ فيه وجهان. أحدهما: تعلم ما أخفيه ولا أعلم ما تخفيه. والثاني: تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم. وفي النفس قولان: أحدهما: أنها عبارة عن الجملة كلها. والثاني: أنها عبارة عن بعضه، كقولهم قتل فلان نفسه. إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ يحتمل وجهين: أحدهما: عالم السر والعلانية. والثاني: عالم ما كان وما يكون. وفي الفرق بين العالم والعلام وجهان: أحدهما: أن العلام الذي تقدم علمه، والعالم الذي حدث علمه. والثاني: أن العلام الذي يعلم ما كان وما يكون، والعالم الذي يعلم ما كان ولا يعلم ما يكون.
صفحة رقم 88
قوله عز وجل: مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ لم يذكر عيسى ذلك على وجه الإِخبار به لأن الله عالم به، ويحتمل وجهين: أحدهما: تكذيباً لمن اتخذ إلهاً معبوداً. والثاني: الشهادة بذلك على أمته فيما أمرهم به من عبادة ربه. قوله تعالى: أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ يحتمل وجهين: أحدهما: إعلامهم أن الله ربه وربهم واحد. والثاني: أن عليه وعليهم أن يعبدوا رباً واحداً حتى لا يخالفوا فيما عبدوه. وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيِهِمْ يحتمل وجهين: أحدهما: يعني شاهداً. والثاني: شاهداً عليهم. فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي فيه وجهان: أحدهما: أنه الموت. والثاني: أنه رفعه إلى السماء. ... الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ فيه وجهان: أحدهما: الحافظ عليهم. والثاني: العالم بهم. وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ يحتمل وجهين: أحدهما: شاهداً لما حضر وغاب. والثاني: شاهداً على من عصى، وأطاع. قوله عز وجل: إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ يحتمل وجهين: أحدهما: أنه قاله على وجه الاستعطاف لهم والرأفة بهم كما يستعطف العبد سيده. والثاني: أنه قاله على وجه التسليم لأمر ربه والاستجارة من عذابه.
صفحة رقم 89النكت والعيون
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البصري الماوردي الشافعي
السيد بن عبد الرحيم بن عبد المقصود