ﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣ

ويجعل الحق سبحانه وتعالى من قصص الرسل على رسول الله صلى الله عليه وسلم تثبيتا للإيمان وتربية للأسوة وإنماء لها، حتى لا يضيق صدر الرسول صلى الله عليه وسلم بما يفعله اليهود أو المشركون فإن كان قد حدث معك يا محمد شيء من هذا الإنكار والإيلام فقد حدث الكثير من تلك الأحداث مع الرسل من قبلك، فيقول سبحانه :
ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل( ١٢ ) .
يذكر الحق هنا رسوله بالميثاق الذي أخذه من بني إسرائيل وقد يكون المقصود هو ميثاق الذر أو يكون المراد بالميثاق ما جاء في قوله تعالى : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ( سورة آل عمران ).
أو أن يكون المراد بالميثاق هو ما بينه بقوله سبحانه : خذوا ما آتيناكم بقوة ( من الآية٦٣سورة البقرة ).
ويقول سبحانه :" وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا " ولنر " التكتيك " الديني الذي أراده الحق، فهو لا يجمع أجناس الخلق المختلفة على واحد من نوع منها، لأن ذلك قد يعرض الدعوة لعصبية فاختار سبحانه اثني عشر نقيبا على عدد الأسباط حتى لا يقولن سبط : كيف لا يكون لي نقيب ؟ وحسم الله الأمر ولم يجعله محلا للنزاع، فجعل لكل سبط نقيبا منهم، والنقيب هو الذي يدير حركتهم العقدية والدينية، وساعة نسمع كلمة " نقيب " نعرف أنها مادة " النون والقاف والباء "، و " النقب " هو إحداث فجوة لها عمق في أي جسم صلب.
إن اختيار الحق لكلمة نقيب، يدل على أن النقيب الصادق ينبغي أن يكون صاحب عينين في منتهى اليقظة حتى يختار لكل فرد المهمة التي تناسبه ويركز على كل فرد بما يجعله يؤدي عمله بما ينفع الحركة الكاملة وبذلك يكون كل فرد في البسط له عمله ومكانه المناسب ولا يتأتى ذلك إلا بالتنقيب أي معرفة حالة كل واحد وميوله فيضعه في المكان المناسب.
إذن فالنقيب هو المنقب الذي لا يكتفي بظواهر الأمور بل ينقبها ليعرف ظروف وأسباب كل واحد واختار الحق من كل سبط نقيبا، ولم يجعل لسبط نقيبا من سبط آخر حتى يمنع السيطرة من سبط على سبط، ويمنع أن يكون النقيب على جهالة بمن يريد حركتهم من الأسباط الآخرين.
ونحن نسمع في حياتنا اليومية وصفا لإنسان : فلان له مناقب كثيرة، أي أن له فضائل يذكرها الناس، كأن على صاحب الفضائل ألا يتباهى بها بنفسه بل عليه أن يترك الناس لينقبوا عن فضائله ولذلك كانت كنوز الأرض وكنوز الحضارات مدفونة ننقب عليها، أما ما يظهر على سطح الأرض فتذروه الرياح وعوامل التعرية ولا يبقى منه شيء.
إذن فكلمة " نقيب " في كل مادتها تدور حول الدخول إلى العمق لذلك تصف الرجل الفاضل : فلان له مناقب، أي إن نقبت وجدت له فضائل تذكر وقد أعطاه الله موهبة الخير ولا يتعالم بها، بل يدع الناس هم الذين يحكمون ويذكرون هذه الصفات ومن نفس المادة " النقاب " أي أن تغطي المرأة وجهها.
وقوله الحق : " إني معكم " يعطيهم خصلة إيمانية، فلا يظنن أحد أنه يواجه أعداء منهج الله بذاته الخاصة بل بمعونة الله فلا يضعف أحد أو يهن مادام مؤمنا، وكما قال الحق : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ( من الآية٦٠سورة الأنفال ).
وبعد أن يعد المؤمنون ما استطاعوا فليتركوا الباقي على الله وجاء أيضا قوله : " وقال الله إني معكم " أي أن كل نقيب على سبط ليس له مطلق التصرف، ولكن الله يوضح : " أنا معكم وسأنظر كيف يدير كل نقيب هذه المسائل " أي أنه سبحانه وتعالى مطلع على واقعكم فليس معنى الولاية أن يكون للوالي مطلق التصرف في جماعته لا، لأن الله رقيب وقوله الحق : " إني معكم " تدل على أن من ولى أمرا فلا بد بعد أن يتابعه ويراه. وبعد ذلك قال : لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم " و " لئن " تضم شرطا وقسما، كأن الحق يقول : وعزتي لئن أقمتم الصلاة وفعلتم كذا وكذا ليكونن الجزاء أن أكفر عنكم السيئات ودلت " اللام " على القسم ودلت " إن " على الشرط فهي " إن " الشرطية.
والقسم كما نعلم يحتاج إلى جواب والشرط يحتاج إلى جواب أيضا، فالواحد منا يقول للطالب : إن تذاكر تنجح والواحد منا يقول :" والله لأفعلن كذا "، و " الله " هي القسم و " لأفعلن " جواب القسم المؤكد باللام، وحين يأتي القسم في جملة بمفرده فجوابه يأتي وحين يأتي الشرط بمفرده في جملة فجوابه يأتي أيضا ولكن ماذا عندما يأتي القسم مع الشرط ؟ هل يأتي جوابان جواب للشرط وجواب للقسم ؟ عندما تجد هذه الحالة فانظر إلى المقدم منهما، هل هو القسم أو الشرط ؟ لأن المقدم منهما هو الأهم، فيأتي جوابه ويغني عن جواب الثاني والمتقدم هنا هو القسم، تماما مثل قولنا :
لئن قام زيد لأقومن وهنا يكون الجواب جواب القسم أما إن قلنا : إن قام زيد والله أكرمه، فالجواب جواب الشرط، فقدم الشرط على القسم هذا إن لم يكن قد تقدم ما احتاج إلى خبر كالمبتدأ أو ما في حكمه، فإن جاء والخبر أي المحتاج إلى الخبر فالشرط هو الراجح أي فالراجح أن نأتي بجواب الشرط ونحذف جواب القسم لأن الشرط تأسيس والقسم توكيد وابن مالك في الألفية يوضح هذه القاعدة :

واحذف لدى اجتماع شرط وقسم جواب ما أخرت فهو ملتزم
وإن تواليا وقبل ذو خبر فالشرط رجح مطلقا بلا حذر
والقسم قد تقدم في هذه الآية، لذا نجد الجواب هنا جواب القسم وهو :" لأكفرن عنكم سيئاتكم ".
وقوله الحق : " أقمتم الصلاة " يوضح أن الإقامة تحتاج إلى أمرين، فروض تؤدى وكل فرض فيها يأخذ حقه في القيام به وبعد ذلك " وآتيتم الزكاة " وفي كتب الفقه نضع الصلاة، والزكاة في باب العبادات، وجاء التقسيم الفقهي لتسهيل إيضاح الواجبات، لكن كل مأمور به من الله عبادة لأن العبادة هي أن تطيع من تعبد في كل ما أمر به، وأن تجتنب ما نهى عنه، فكل أمر إلهي هو عبادة.
وقلنا من قبل : إن الحق سبحانه قال : إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ( من الآية٩سورة الجمعة )، وقوله تعالى : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ( من الآية١٠سورة الجمعة ).
هنا نجد أمرا تعبديا أن نترك البيع إلى الصلاة وأمرا تعبديا ثانيا أن ننتشر في الأرض ابتغاء لفضل الله بعد انقضاء الصلاة وأي إخلال بالأمرين إخلال بأمر تعبدي، فأنت مأمور أن تتحرك في الأرض على قدر قوتك حركة تكفيك وتفيض عن حاجتك ليعم هذا الفائض على غيرك.
وقوله الحق : وآمنتم برسلي وعزرتموهم أي أن ينعقد الإيمان في القلب فلا يطفو الأمر بعد ذلك لمناقشته، وأن تعزروا الرسل، أي وقرتموهم ونصرتموهم، والعزر في اللغة معناه المنع، ولكن المنع هنا مراد به أن يمنع الناس عن رسول الله من يريده بسوء، فإن أراد أحد من الأعداء السوء برسول من الله فليمنع المؤمنون هذا العدو عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
وأنت في حياتك إن كان لك حبيب أراده إنسان بسوء، وكنت لا تدركه لأنه بعيد عنك فأنت تتمنى أن تأخذ صاحبك وتحميه من أن يناله العدو، لكن إن كان العدو أمامك فأنت تصده عن حبيبك فالعزر هو المنع، أي أن تمنعه من عدوه وتحول بينه وبينه، أو تمنع عدوه من أن يناله بشر، والرسول بالنسبة للمؤمنين به تكون حياته أغلى من حياتهم ففي أثناء المنع قد يصاب أحد المؤمنين، وفي ذلك تعظيم للرسول ونصرة له وتوقير.
نقول ذلك حتى نرد على الذين يتصيدون ويقولون : علماء المسلمين لا يتفقون على شيء، فمرة يقولون : إن " عزرتموهم " معناها " نصرتموهم "، ومرة أخرى يقولون : إن " عزرتموهم " معناها " منعتموهم " ونقول : كل المعاني هنا ملتقية فالعزر هو الرد والمنع، إما بمنع العدو عن الرسول وإما أن يمنع الناس الرسول من أن يناله العدو، أو الاثنان معا، ويجوز أيضا أن يكون معنى " عزرتموهم " هو نصرتموهم وكذلك يجوز أن يكون معناها " وقرتموهم "، لأن التعظيم والتوقير هما السبب في نصرة الإنسان للرسول.
وبعد ذلك يقول الحق : وأقرضتم الله قرضا حسنا ويدبر الحق لنا سياسة المال، سواء للواجد أو لغير القادر، فالواجد يوضح له الحق : لا تجعل حركة حياتك على قدر حاجتك بل اجعل حركة حياتك على قدر طاقتك، وخذ منها ما يكفيك ويكفي من تعول، والباقي رده على من لم يقدر ولو جعل كل إنسان حركة حياته على قدر حاجته، فلن يجد من لا يقدر على الحركة ما يعيش به، ولنذكر جيدا أن الحق سبحانه وتعالى قد قال : قد أفلح المؤمنون( ١ )الذين هم في صلاتهم خاشعون( ٢ )والذين هم عن اللغو معرضون( ٣ )والذين هم للزكاة فاعلون( ٤ ) ( سورة المؤمنون ).
وحين قال سبحانه : والذين هم للزكاة فاعلون، ليس معناها مجرد أداء زكاة، بل تعني أن يتحركوا في الحياة بغرض أن يتحقق لهم فائض يخرجون من الزكاة، وإلا فما الفارق بين المؤمن والكافر ؟ الكافر يعمل ليقوت نفسه ويقوت من يعول وليس في باله الله، أما مزية المؤمن فهو يعمل ليقوت نفسه، ويقوت من يعول ويبقي لديه فائض يعطيه للضعيف، فكأن إعطاء الضعيف كان في باله ساعة الفعل، وهذا هو المقصود بقوله الحق : والذين هم للزكاة فاعلون( ٤ ) ( سورة المؤمنون ).
أي أن كل فعل للمؤمن يقصد منه أن يكفيه ويكفي أن يزكي منه، وهناك حق آخر في المال غير الزكاة، بأن يسد به ولي الأمر ما يحتاج إليه المجتمع الإيماني بشرط أن يقيم ولي الأمر كل شرع الله.
والزكاة هي إخراج المال على نحو مخصوص أما الصدقة فهي غير محسوبة من الزكاة لكنها فوق الزكاة وهناك القرض، وهو المال الذي تتعلق به النفس لأن الإنسان يقدمه لغيره شريطة أن يرده ولذلك قيل إن القرض أحسن من الصدقة، ذلك أن المقترض لا يقترض إلا عن حاجة أما الذي تتصدق عليه فقد يكون غير محتاج، ويسأل دون حاجة وأيضا لأن النفس المتصدق تخرج من الشيء المتصدق به ولا تتعلق به، أما الذي يقدم القرض فنفسه متعلقة بالقرض وكلما صبر عليه نال حسنة، وكلما قدم نظرة إلى مسيرة فهذا له أجر كبير، هكذا يكون القرض أحسن من الصدقة.
فالحق يريد أن تفيض حركة الحياة بالكثير، وكيف يقول سبحانه : " وأقرضتم الله قرضا حسنا " وهو الواهب لكل النعم وهو الولي لكل النعم ؟ وكيف يهب الحق للإنسان النعم ثم يقول له : أقرضني ؟
هو سبحانه وتعالى يحترم حركة الإنسان وعرقه مادام قد ضرب في الأرض وسعى فيها فالمال مال الإنسان ولكن أخا الإنسان قد يحتاج إليه ولذلك فليقرضه ويعتبر سبحانه هذا قرضا من الإنسان لله ونحن نجد عائل الأسرة يقول لأحد أبنائه : بما أنك تدخر من مصروف يدك فأعط أخاك ما يحتاج إليه واعتبر ذلك قرضا عندي، صحيح أن العائل هو الذي أعطى المال لكل من يعول، فما بالنا بالذي أوجدنا جميعا، وهو الحق سبحانه وتعالى ؟ لقد وهب كلا منا ثمرة عمله واعتبر تلك الثمرة ملكا لصاحبها ويعتبر فوق ذلك إقراض المحتاج إقراضا له.
ويصف الحق القرض بأنه حسن حتى لا يكون فيه من، أو منفعة تعود على المقرض وإلا صار في القرض ربا، ولنا الأسوة الحسنة في أبي حنيفة عندما كان يجلس في ظل بيت صاحب له، واقترض صاحب هذا البيت من أبي حنيفة بعض المال، وجاء اليوم التالي للقرض وجلس أبو حني

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير