ﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣ

معهما أمانًا، فجاء قومهما يطلبون الدية، فخرج النبي - ﷺ - ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم حتى دخلوا على بني النضير، وكانوا قد عاهدوا النبي - ﷺ - على ترك القتال وعلى أن يعينوه في الديات، فقال النبي - ﷺ -: "رجل من أصحابي أصاب رجلين معهما أمان مني، فلزمني ديتهما، فأريد أن تعينوني"، فقالوا: نعم، اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا. وهموا باغتيالهم والفتك بهم، فآذن (١) الله به رسوله حتى فاتُوا بأنفسهم، فخرجوا من المكان الذي كانوا فيه، فأعلمتهم اليهود أن قدورهم تغلي، فأعلمهم - ﷺ - أنه قد نزل عليه الوحي بما عزموا عليه (٢).
قال عطاء: توامروا أن يطرحوا عليهم رحًا أو حجرًا (٣).
وقال بعض أهل العلم: بل ألقوا فأخذه جبريل (٤).
١٢ - قوله تعالى: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ
قال ابن عباس: ثم أخبر الله عن نقض إسرائيل عهد الله كما نقضت هذه الطبقة فقال: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥).

(١) فآذن: أي فأعلم.
(٢) أخرجه عن ابن عباس بنحوه من طريق الضحاك أبو نعيم في "الدلائل"، كما أخرجه من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه، انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٤٧٠، وذكره المؤلف عن الكلبي في "أسباب النزول" ص ١٩٦. وأخرج الأثر بمعناه عن قتادة ومجاهد ويزيد بن أبي زياد وعكرمة: الطبري في "تفسيره" ٦/ ١٤٤ - ١٤٥. وانظر: "تفسير مقاتل" ١/ ٤٥٨ - ٤٦٠، و"بحر العلوم" ١/ ٤٢١، والبغوي في "تفسيره" ٣/ ٢٨، و"زاد المسير" ٢/ ٣٠٩، وابن كثير في "تفسيره" ٢/ ٣٦.
(٣) انظر البغوي في "تفسيره" ٣/ ٢٨.
(٤) في جميع الروايات أن جبريل عليه السلام أعلمه بما عزموا عليه، وليس فيها أنه أخذ الحجر.
(٥) لم أقف عليه.

صفحة رقم 293

قال الكلبي ومقاتل: أخذ الله ميثاقهم على أن يعملوا بما في التوراة (١).
وقوله تعالى: وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا.
اختلفت عبارات المفسرين في تفسير النقيب: فقال ابن عباس والحسن: الضمين (٢).
وقال قتادة: الشهيد على قومه (٣).
وقال الكلبي: اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا يعني ملكًا (٤).
وقال مقاتل: يعني شاهدًا على قومهم (٥).
وقال أبو عبيدة: النقيب: الأمين الكفيل (٦).
وقال الأخفش: النقباء: الكفلاء على قومهم (٧).
وقال المؤرج: النقباء: الأمناء (٨).

(١) انظر: "تفسير مقاتل" ١/ ٤٦١، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ١٠٩.
(٢) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد نسبه ابن الجوزي للحسن، وقال: ومعناه: أنه ضمين ليعرف أحوال من تحت يده. "زاد المسير" ٢/ ٣١٠، ونحو هذا "تفسير أبي عبيدة" النقيب بالضامن. انظر: "مجاز القرآن" ١/ ١٥٦ن والطبري في "تفسيره" ٦/ ١٤٨. هذا، وقد أخرج الطستي ضمن "مسائل ابن الأزرق" أن ابن عباس فسر النقيب بالوزير، انظر: "الدر المنثور" ٢/ ٤٧٢.
(٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" ٦/ ١٤٨ بلفظ: من كل سبطٍ رجل شاهد على قومه. وانظر: "زاد المسير" ٢/ ٣١٠.
(٤) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ١٠٩.
(٥) "تفسيره" ١/ ٤٦٠، وانظر: "بحر العلوم" ١/ ٤٢١.
(٦) "مجاز القرآن" ١/ ١٥٦، وعبارته: أي ضمانًا ينقب عليهم، وهو الأمين والكفيل على القوم.
(٧) ليس في "معاني القرآن".
(٨) لم أقف عليه.

صفحة رقم 294

وقال أبو إسحاق: النقيب في اللغة كالأمين (١) والكفيل (٢). ثم بين حقيقة الباب واشتقاقه فقال: يقال: نقب الرجل على القوم ينقُبُ نقابة فهو نقيب، إذا صار نقيبًا عليهم، وما كان الرجل نقيبًا، ولقد نقُبَ، وفي فلان مناقب جميلة، أي أخلاق، وهو حسن النقيبة، أي جميل الخليقة (٣)، وإنما قيل للنقيب: نقيب؛ لأنه يعلم دخيلة أمر القوم، ويعلم مناقبهم وهو الطريق إلى معرفة أمورهم.
وهذا الباب كله أصله التأثير الذي له عمق ودخول، فمن ذلك: نقبت الحائط، أي بلغت في النقب آخره، ومن ذلك: النقبة من الجَرب؛ لأنه داء شديد الدخول، وذلك أنه يطلى البعير بالهناء فيوجد طعم القطران في لحمه، والنُّقْبة السراويل بغير رجلين، لما قد بولغ في فتحها ونقبها، ويقال: كلب نقِيب، وهو أن تنقب حنجرته لئلا يرتفع صوت نباحه، وإنما يفعل ذلك البخلاء من العرب لئلا يطرقهم ضيف (٤). هذا بيان الزجاج.
واختلفوا في معنى بعث النقباء: فقال الحسن: أخذ من كل سبط منهم نقيب ضامن بما عقد عليهم بالميثاق في أمور دينهم (٥).
ونحو هذا قال ابن عباس في رواية عطاء، فقال في قوله: وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا: يريد ضامنين عن قومهم لله الميثاق وأن يؤمنوا بمحمد (٦) - ﷺ - ويصدقوه وينصروه (٧).

(١) في "معاني الزجاج": كالأمير.
(٢) "معاني الزجاج" ٢/ ١٥٧.
(٣) في "معاني الزجاج" ٢/ ١٥٨: حسن الخليقة.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١٥٧ - ١٥٩ بتصرف.
(٥) انظر: "تفسير الهواري" ١/ ٤٥٦، و"زاد المسير" ٢/ ٣١٠.
(٦) في (ش): (لمحمد).
(٧) لم أقف عليه.

صفحة رقم 295

ومعنى البعث في هذا القول إقامتهم بذلك الأمر كبعث الرسل، فقوله تعالى: وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا كقوله لو قال: بعثنا منهم اثنى عشر نبيا.
وقال مجاهد والكلبي والسدي: إن النقباء بعثوا إلى مدينة الجبارين الذين أمر موسى بالقتال معهم؛ ليقفوا على أحوالهم ويرجعوا بذلك إلى نبيهم موسى عليه السلام، فرجعوا ينهون قومهم عن قتالهم، وكانوا قد تواثقوا فيما بينهم أن لا يفعلوا، فنكثوا العهد، وجعل كل واحد منهم ينهى سِبطه عن قتالهم إلا رجلين منهم: كالِب، ويوشَع، وهما اللذان قال الله تعالى: (فيهما) (١): قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ الآية [المائدة: ٢٣] (٢).
وقوله تعالى: وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ.
أي: قال الله لهم، فحذف ذلك لاتصال الكلام بذكرهم.
واختلفوا في المعنيّ بهذا القول، فقال الربيع: وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ أي: للنقباء (٣).
وعلى هذا دل كلام ابن عباس، فقال في قوله: إِنِّي مَعَكُمْ أي مع النقباء، ومن أوفى بميثاق الله وعهده (٤).

(١) ساقط من (ج).
(٢) انظر: "تفسير مجاهد" ١/ ١٨٨، ١٨٩، والطبري في "تفسيره" ٦/ ١٤٩ - ١٥٠، و"تفسير الهواري" ١/ ٤٥٦، و"بحر العلوم" ١/ ٤٢٢، والبغوي في "تفسيره" ٢/ ٢٨ - ٣٠.
(٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" ٦/ ١٥٠ مطولًا، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ٣١٢، و"الدر المنثور" ٢/ ٤٧٣.
(٤) لم أقف عليه.

صفحة رقم 296

وقال غيرهما: وَقَالَ اللَّهُ لبني إسرائيل إِنِّي مَعَكُمْ (١).
ومعنى إِنِّي مَعَكُمْ أي: بالعون والنصر والدفع عنكم. قال الكلبي (٢).
وقوله تعالى: لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ.
ذكر أبو علي الجرجاني في تقدير الآية ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون قوله: إِنِّي مَعَكُمْ جزاء مقدمًا على شرط، والشرط قوله: لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وما انعطف عليه، وما انعطف عليه، ويكون قوله: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ جوابا لقوله: لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ (٣)، وكأنه ابتدأ شرطًا آخر بقوله: لَئِنْ أَقَمْتُمُ وجعل جوابه لَأُكَفِّرَنَّ، فيحصل من هذا أن يكون قوله: لَئِنْ أَقَمْتُمُ جزاءً لقوله: إِنِّي مَعَكُمْ ويكون مبتدأ وشرطًا لقوله: لَأُكَفِّرَنَّ. فمرة من وجه يكون جزاء، ومرة من وجه آخر يكون مبتدأ وشرطًا، وصار قوله: لَئِنْ أَقَمْتُمُ مرة جزاء للشرط الأول، (ومرة شرطًا للجزاء الآخر) (٤)، (فاشترك) (٥) فيه الجزاء والشرط.

(١) انظر: الطبري في "تفسيره" ٦/ ١٥٠، و"بحر العلوم" ١/ ٤٢٢، و"زاد المسير" ٢/ ٣١٢، وقد نسبه ابن الجوزي للجمهور.
(٢) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ١٠٩.
وهذا القول لجمهور المفسرين. انظر: الطبري في "تفسيره" ٦/ ١٥٠، و"بحر العلوم" ١/ ٤٢٢، والبغوي في "تفسيره" ٣/ ٣١، و"زاد المسير" ٢/ ٣١٢.
(٣) انظر: "الكشاف" ١/ ٣٢٨، و"البحر المحيط" ٣/ ٤٤٥، و"الدر المصون" ٤/ ٢٢٠.
(٤) في (ج): (ومرة جزاء للشرط الآخر).
(٥) في (ج): (فاشترط).

صفحة رقم 297

والوجه الآخر: أن تجعل قوله: إِنِّي مَعَكُمْ جزاء تقدم شرطًا، ثم جاء الشرط بعده وهو قوله: لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ إلى ما اتصل به، ثم تضمر شرطًا لقوله: لَأُكَفِّرَنَّ على تقدير: إن فعلتم ذلك لأكفرن، كما قال في سورة الصف هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ [الصف: ١٠] ثم بين تلك التجارة ما هي فقال: تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ إلى آخر الآية، ثم ابتدأ شرطًا آخر مضمرا وأظهر جزاءه، فدل الجزاء الظاهر على الشرط المضمر (١)، وهو قوله: يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ على تأويل: إن تفعلوا ذلك يغفر لكم، وهذا كقوله عز وجل: كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ [محمد: ١٥] وهذه الكاف تدل على مبتدأ قبله ولم يجر له ذكر، وإنما جرى ذكر الجنة وصفتها، وكأنه قيل: أفمن هو في هذه الجنة كمن هو خالد في النار، فدل الجواب على الإبتداء.
الوجه الثالث: أن الكلام قد تم عند قوله: إِنِّي مَعَكُمْ ثم ابتدأ فصلًا آخر بقوله: لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ فجعله شرطًا، ثم أتى بجزائه في قوله: لَأُكَفِّرَنَّ فيكون هذا الشرط والجزاء بما يتضمنان من القصة ترجمة لقوله: إِنِّي مَعَكُمْ لأن قوله: إِنِّي مَعَكُمْ كلمة جامعة مجملة فصار ما بعده كالتفسير له.
وقوله تعالى: وَعَزَّرْتُمُوهُمْ.
قال أبو إسحاق: العَزْر في اللغة الردّ، وتأويل عزَّرت فلانًا أي أدَّبته، إنما تأويله: فعلت به ما يرده عن القبيح ويردعه، كما أن نكلتُ به: فعلت به ما يجب أن ينكل معه عن المعاودة. فتأويل وَعَزَّرْتُمُوهُمْ نصرتموهم بأن تردوا عنهم أعداءهم، ولو كان التعزيز هو التوقير لكان الأجود في اللغة

(١) انظر: "البحر المحيط" ٣/ ٤٤٥.

صفحة رقم 298

الاستغناء عن التوقير في قوله: وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [الفتح: ٩]، والنصرة إذا وجدت فالتعظيم داخل فيها؛ لأن نصرة الأنبياء هي المدافعة عنهم والذب عن دينهم وتعظيمهم (١).
أبو العباس عن ابن الأعرابي: العزر: النصر بالسيف، والعزر: المنع، وقال أيضًا: التعزير: التوقير، والتعزير: النصر باللسان والسيف (٢).
وقال عطاء عن ابن عباس: وَعَزَّرْتُمُوهُمْ يريد وقّرتموهم (٣).
وقال السدي: نصرتموهم بالسيف (٤).
وقال مقاتل والكلبي: أعنتموهم (٥).
وقوله تعالى: وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا.
قال ابن عباس: يريد الصدقات للفقراء والمساكين وابن السبيل (٦).
وقال مقاتل: قَرْضًا حَسَنًا محتسبة، طيبة بها أنفسكم (٧).
وقال الضحاك: تبتغون به وجه الله (٨).

(١) "معاني الزجاج" ٢/ ١٥٩، وانظر: "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٤١٩.
وقول الزجاج: ولو كان التعزير هو التوقير، فيه رد على أبي عبيدة قال: وَعَزَّرْتُمُوهُمْ: نصرتموهم وأعنتموهم ووقرتموهم "مجاز القرآن" ١/ ١٥٦. وقد ذكر الزجاج معنى قوله. وما ذهب إليه الزجاج قد اختاره الطبري في "تفسيره" ٦/ ١٥١.
(٢) "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٤١٩، وانظر: "اللسان" ٥/ ٢٩٢٤ (عزر).
(٣) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد نسب لعطاء، انظر: "زاد المسير" ٢/ ٣١٢، وقد تقدم استبعاد الزجاج لمثل هذا القول قريبًا. ثم إنه ورد عن ابن عباس أن المراد الإعانة والنصر. انظر: "زاد المسير" ٢/ ٣١٢، و"الدر المنثور" ٢/ ٤٧٣.
(٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" ٦/ ١٥١، وانظر: "بحر العلوم" ١/ ٤٢٢.
(٥) "تفسير مقاتل" ١/ ٤٦١، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ١٠٩.
(٦) لم أقف عليه، وانظر القرطبي في "تفسيره" ٦/ ١١٤
(٧) "تفسيره" ١/ ٤٦١.
(٨) انظر القرطبي في "تفسيره" ٦/ ١١٤.

صفحة رقم 299

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية