[سورة المائدة (٥) : آية ٣٣]
إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٣٣)إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً، الْآيَةَ.
قَالَ الضَّحَّاكُ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ، فَنَقَضُوا الْعَهْدَ وَقَطَعُوا السَّبِيلَ وَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ [١].
«٧٨١» وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي قَوْمِ هِلَالِ بْنِ عُوَيْمِرٍ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَادَعَ هِلَالَ بْنَ عُوَيْمِرٍ وَهُوَ أَبُو بُرْدَةَ الْأَسْلَمِيُّ عَلَى أَنْ لَا يُعِينَهُ وَلَا يُعِينَ عَلَيْهِ، وَمَنْ مَرَّ بِهِلَالِ بْنِ عُوَيْمِرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ آمِنٌ لَا يُهَاجُ، فَمَرَّ قَوْمٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يُرِيدُونَ الْإِسْلَامَ بِنَاسٍ مِنْ أَسَلَمَ مِنْ قَوْمِ هِلَالِ بْنِ عُوَيْمِرٍ، وَلَمْ يَكُنْ هِلَالٌ شَاهِدًا فَشَدُّوا عَلَيْهِمْ فَقَتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْقَضَاءِ فِيهِمْ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتْ فِي نَاسٍ مِنْ عُرَيْنَةَ وَعُكْلٍ أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَايَعُوهُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَهُمْ كَذَبَةٌ فَبَعَثَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَارْتَدُّوا وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ [٢].
«٧٨٢» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ الْجَرْمِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَرٌ من عكل فأسلموا فاجتووا الْمَدِينَةِ فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، ففعلوا فصحوا فارتدوا فقتلوا رُعَاتَهَا وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آثَارِهِمْ، فَأُتِيَ بِهِمْ فَقِطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ ثُمَّ لَمْ يحسمهم حتى ماتوا.
أخرجه الطبري ١١٨٠٧ عن ابن عباس، وذكر فيه الآية، لكن فيه إرسال بين علي بن أبي طلحة وابن عباس.
٧٨١- علقه المصنف عن الكلبي وسنده إليه في أول الكتاب والكلبي متروك متهم، والصحيح الحديث الآتي برقم ٧٨٢.
(٢) انظر الحديث الآتي.
٧٨٢- إسناده صحيح على شرط البخاري، علي بن عبد الله هو المديني، الأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو، أبو قلابة هو عبد الله بن زيد الجرمي.
وهو في «صحيح البخاري» ٦٨٠٢ بهذا الإسناد.
وأخرجه البخاري ٦٨٠٣ مختصرا ومسلم ١٦٧١ ح ١٢ وأبو داود ٤٣٦٦ والنسائي (٧/ ٩٤ و٩٥) وأحمد (٣/ ١٩٨) وابن حبان ٤٤٦٧ من طرق عن الأوزاعي به.
وأخرجه البخاري ٤١٩٣ و٤٦١٠ و٦٨٩٩ ومسلم ١٦٧١ و١٠ و١١ و١٢ والنسائي (٧/ ٩٣ و١٦٠ و١٦١) وابن أبي شيبة (٧/ ٧٥) وأحمد (٣/ ١٨٦) وابن حبان ١٣٧٦ من طرق عن أبي رجاء مولى أبي قلابة عن أبي قلابة به.
وأخرجه مسلم ١٦٧١ ح ١٤ والترمذي ٧٣ من طريق يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ التيمي عن أنس به.
وأخرجه البخاري ١٥٠١ و٤١٩٢ و٥٧٢٧ ومسلم ١٦٧١ ح ٣ والنسائي (٧/ ٩٧ و١٥٨) وابن خزيمة ١١٥ وأحمد (٣/ ١٦٣ و١٧٠ و١٧٧ و٢٣٣ و٢٨٧ و٢٩٠) وابن حبان ٣٨٨ والبيهقي (١٠/ ٤) من طرق عن قتادة عن أنس.
وأخرجه الترمذي ٧٢ و١٨٤٥ و٢٠٤٢ والنسائي (٧/ ٩٧) والطحاوي (١/ ١٠٧) من طرق عن قتادة وحميد وثابت عن أنس به.
«٧٨٣» وَرَوَاهُ أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ ثُمَّ أَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَكَحَّلَهُمْ بِهَا وَطَرَحَهُمْ بِالْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَمَا يُسْقَوْنَ حَتَّى مَاتُوا. قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: قَتَلُوا وَسَرَقُوا وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَسَعَوْا فِي الْأَرْضِ فَسَادًا.
وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ هَؤُلَاءِ الْعُرَنِيِّينَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ لِأَنَّ الْمُثْلَةَ لَا تَجُوزُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
حُكْمُهُ ثَابِتٌ إِلَّا السَّمْلَ وَالْمُثْلَةَ، وَرَوَى قَتَادَةُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ الْحَدُّ.
«٧٨٤» وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: فَلَمَّا فَعَلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ بِهِمْ أَنْزَلَ اللَّهُ الْحُدُودَ وَنَهَاهُ عَنِ الْمُثْلَةِ فَلَمْ يَعُدْ.
«٧٨٥» وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ يَحُثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُثْلَةِ.
«٧٨٦» وَقَالَ سُلَيْمَانُ التَّيَمِيُّ عَنْ أَنَسٍ: إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْيُنَ أُولَئِكَ لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرُّعَاةِ.
«٧٨٧» وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مُعَاتِبَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَعْلِيمًا مِنْهُ إِيَّاهُ عُقُوبَتَهُمْ، وَقَالَ:
إِنَّمَا جَزَاؤُهُمْ هَذَا لَا الْمُثْلَةُ، وَلِذَلِكَ مَا قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا إِلَّا نَهَى عَنِ الْمُثْلَةِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُحَارِبِينَ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ هَذَا الْحَدَّ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُمُ الَّذِينَ يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ وَيَحْمِلُونَ السلاح [على المسلمين] [١]، وَالْمُكَابِرُونَ فِي الْأَمْصَارِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَمَالِكٍ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وَقَالَ قَوْمٌ: هم الْمُكَابِرُونَ فِي الْأَمْصَارِ لَيْسَ لَهُمْ حكم المحاربين في استحقاق هذا الحد، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَعُقُوبَةُ الْمُحَارِبِينَ مَا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إلى أن الإمام بالخيار
٧٨٤- مرسل. أخرجه أبو داود ٤٣٧٠ ومن طريقه البيهقي (٨/ ٢٨٣) عن أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو بْنِ السَّرْحِ حدثنا ابن وهب أخبرني الليث بن سعد عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ أبي الزناد به. وقال البيهقي: قول قتادة وأبي الزناد وغيرهما نزول الآية فيهم مرسل اهـ. وانظر ما بعده.
٧٨٥- حسن بشواهده. أخرجه البيهقي (٩/ ٦٩) عن قتادة مرسلا، وورد موصولا.
أخرجه أبو داود ٢٦٦٧ وأحمد (٤/ ٤٢٨) والبيهقي (٩/ ٦٩) من طريق قتادة عن الحسن عن الهياج بن عمران عن عمران بن حصين.
والهياج بن عمران وثقه ابن حبان وابن سعد، وجهّله علي بن المديني.
وأخرجه الطبراني ٦٩٦٦ من طريق همام عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ هياج بن عمران عن سمرة بن جندب.
وأخرجه أحمد (٤/ ٤٣٢ و٤٣٩ و٤٤٠ و٤٤٥) وابن حبان ٤٤٧٣ والطحاوي (٣/ ١٨٢) وابن شاهين في «الناسخ والمنسوخ» ٥٣٣ والطبراني (١٨/ ٣٢٥ و٣٢٦ و٣٢٧) من طرق عن الحسن قال: قال رجل لعمران بن حصين...
فذكره. وفيه إرسال، وقد ضعف أحمد بن حنبل رواية الحسن عن عمران على أنه لم يسمع منه كما في «مراسيل ابن أبي حاتم» لكن هذه الروايات تتأيد بمجموعها، فالحديث حسن إن شاء الله تعالى.
٧٨٦- صحيح، أخرجه مسلم ١٦٧١ ح ١٤ والترمذي ٧٣ والنسائي (٧/ ١٠٠) وابن حبان ٤٤٧٤ والبيهقي (٨/ ٧٠) من طرق عن يحيى بن غيلان قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سليمان التيمي به.
٧٨٧- ضعيف، أخرجه الطبري ١١٨٢٢ عن الوليد بن مسلم قال: ذاكرت الليث بن سعد ما كان من سمل رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم أعينهم، وتركه حسمهم حتى ماتوا، فقال: سمعت محمد بن عجلان يقول: أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلّم معاتبة
(١) زيد في المطبوع.
معالم التنزيل
محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي
عبد الرزاق المهدي