ﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞ

اختلف نقلة التفسير المأثور فيمن نزل فيهم هاتان الآيتان، على ما هو ظاهر من اتصالهما بما قبلهما أتم الاتصال. روى أحمد والبخاري ومسلم وأصحاب السنن عن أنس أن ناسا من عكل وعرينة قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وتكلموا بالإسلام، فاستوخموا(١) المدينة فأمر لهم النبي صلى الله عليه وسلم بذود(٢)وراع، وأمرهم أن يخرجوا فليشربوا من أبوالها وألبانها. فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا الذود. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فبعث الطلب في آثارهم، فأمر بهم فسمروا أعينهم(٣) وقطعوا أيديهم، وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم(٤). زاد البخاري : أن قتادة الراوي للحديث عن أنس قال : بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة. وفي رواية لأحمد والبخاري وأبي داود قال قتادة فحدثني ابن سيرين أن ذلك كان قبل أن تنزل الحدود ( أي في الآية التي نحن بصدد تفسيرها ) وروى أبو داود والنسائي عن أبي الزناد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قطع الذين سرقوا لقاحه وسمل أعينهم بالنار، عاتبه الله في ذلك فأنزل إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا الآية. وفي القصة روايات أخرى مفصلة. ومنها أنه أباح لهم إبل الصدقة كلها في غدوها ورواحها.
وروى أبو داود والنسائي عن ابن عباس في الآية قال : نزلت في المشركين منهم، من تاب قبل أن يقدر عليه لم يكن عليه سبيل، وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد إن قتل أو أفسد في الأرض، أو حارب الله ورسوله، ثم لحق بالكفار قبل أن يقدروا عليه، ولم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه. ( ومثله عند ابن جرير عن الحسن ) وروى ابن جرير والطبراني في الكبير عن ابن عباس أيضا أنه قال : كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عهد وميثاق، فنقضوا العهد، وأفسدوا في الأرض، فخير الله نبيه فيهم، إن شاء أن يقتل وإن شاء أن يقطع أيدهم وأرجلهم من خلاف، وفي بعض الروايات زيادة إلا من أسلم قبل أن يؤخذ. وروى ابن جرير أيضا ما تقدم من كون الآية نزلت عتابا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم على سمل أعين العرنيين وقطع أيديهم وتركها بدون حسم فكانت الآية تحريما للمثلة عند هؤلاء. على أنه ثبت أنه كان صلى الله عليه وآله وسلم ينهى عن المثلة قبل نزول المائدة. وروي عن آخرين أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان أمر بسمل أعينهم وقطعهم كما فعلوا بالراعي المسلم – وفي بعض الروايات الرعاة بالجمع – فنزلت الآية فترك ذلك ولم يفعله.
وقد اختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال بعضهم إنه خاص بمثل من نزلت فيهم من الكفار مطلقا ؟ أو الذين غدوا من اليهود، أو الذين خدعوا النبي والمسلمين بإظهار الإسلام حتى إذا تمكنوا من الإفساد بالقتل والسلب عادوا إلى قومهم وأظهروا شركهم معهم. وذهب أكثر الفقهاء إلى أنها خاصة بمن يفعلون هذه الأفعال من المسلمين، وكأنهم اعتدّوا بما أظهره العرنيون من الإسلام. ورووا عدة روايات في تطبيق الآية على الخوارج، بل قالوا إنها نزلت فيهم.
والظاهر المتبادر بصرف النظر عن الروايات المتعارضة أنها عامة لكل من يفعل هذه الأفعال في دار الإسلام إذا قدرنا عليهم وهم متلبسون بها بالفعل أو الاستعداد. وقد قال الذين جعلوها خاصة بالمسلمين : إن أحكام الكفار في الحرب معروفة بالنصوص والعمل، وليس فيها هذه الدرجات في العقاب. وجوابه أن هذا العقاب خاص بمن فعل مثل أفعال العرنيين، فلا يقتضي ذلك أن يتبع في حرب كل من حاربنا من الكفار. وقال بعضهم : إن استثناء من تابوا قبل القدرة عليهم دليل على إرادة المسلمين، لأن الكفار لا يشترط في توبتهم أن تكون قبل القدرة عليهم. ويجاب عن هذا بأن التوبة من هذا الإفساد هي التي يشترط فيها أن تكون قبل القدرة عليهم، لا التوبة من الكفر.
ومجموع الروايات في قصة العرنيين تفيد أنهم جعلوا الإسلام خديعة للسلب والنهب، وأنهم سملوا أعين الرعاة ثم قتلوهم ومثلوا بهم، وفي بعضها أنهم اعتدوا على الأعراض أيضا وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عاقبهم بمثل عقوبتهم عملا بقوله تعالى : وجزاء سيئة سيئة مثلها [ الشورى : ٤٠ ] وقوله : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله [ البقرة : ١٩٤ ] إن صح أن الآية نزلت بعد عقابهم. ولم يعف عنهم كعادته لئلا يتجرأ على مثل فعلتهم أمثالهم من أعراب المشركين وغيرهم، فأراد بذلك القصاص وسد الذريعة، وأن الله تعالى أنزل الآية بهذا التشديد في العقاب على مثل هذا الإفساد، لهذه الحكمة، وهي سد ذريعة هذه المفسدة، ولكنه حرم مع ذلك كله المثلة، وهي تشويه الأعضاء. ولا مفسدة أشد وأقبح من سلب الأمن على الأنفس والأعراض والأموال الناطقة والصامتة. فرب عصبة من المفسدين تسلب الأمان والاطمئنان من أهل ولاية كبيرة. ورب عصبة مفسدة تعاقب بهذه العقوبات المنصوصة في الآية فتطهر الأرض من أمثالها زمنا طويلا.
والتشديد في سد الذرائع ركن من أركان السياسة لا تزال جميع الدول تحافظ عليه، حتى أن بعضهم يحكم الوهم فيه. ومن الأمر الإدّ، ما اجترحته إنكلترة في مصر بهذا القصد، إذ مر بقرية ( دنشواي ) منذ سنين قليلة أفراد من جند الإنكليز كانوا يصيدون الحمام عند بيدرها فتخاصموا مع أصحاب الحمام وتضاربوا، فعظم على الإنكليز تجرؤ الفلاح المصري، على ضرب الجندي الإنكليزي، فعقدوا المحكمة العرفية لمحاكمة أولئك الفلاحين برياسة بطرس باشا غالي، فحكمت على بعض أولئك الفلاحين بأن يصلبوا ويعذبوا بالضرب بالسياط ( الكرابيج ) ذات العقد حتى تتأثر لحومهم، وأن يبقوا مصلوبين بعد موتهم مدة طويلة، وأن يكون ذلك على أعين أهليهم وأعين الناس، ونفذ الحكم. وقد أنكر هذه القسوة واستفظعها الناس حتى بعض أحرار الإنكليز في بلادهم، وشنعوا عليها في الجرائد وفي مجلس النواب. ومثل هذه الحادثة لا تعد من الخروج على ذي السلطان، ولا من الفساد في الأرض. ولكن قصد الإنكليز بالقسوة فيها أن لا يتجرأ أحد على مقاومة جندي إنكليزي وإن اعتدى فأين هذا من عدل الإسلام الذي ساوى خليفته عمر بن الخطاب بين ابن فاتح مصر وقائد جيشها وحاكمها العام ( عمرو بن العاص ) وبين غلام قبطي، إذ تسابقا فسبق القبطي ابن الحاكم فصفعه هذا وقال : أتسبقني وأنا ابن الأكرمين ؟ فلما رفع الأمر إلى عمر رضي الله عنه لم يرض إلا أن يصفع القبطي ابن الفاتح الحاكم كما صفعه. وقال لعمرو كلمته الذهبية المشهورة : يا عمرو ! منذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ؟ ولكن المسلمين لما تركوا حكم الإسلام صاروا يطلبون من الإنكليز ومن دون الإنكليز أن يعلموهم العدل وقوانينه ! !
أما تفسير الآية فهو ما ترى :
إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أي إن جزاء الذين يفعلون ما ذكر محصور فيما يذكر بعده من العقوبات على سبيل الترتيب والتوزيع على جناياتهم ومفاسدهم، لكل منها ما يليق بها من العقوبة. والمحاربة مفاعلة من الحرب وهي ضد السلم. والسلم السلام أي السلامة من الأذى والضرر والآفات، والأمن على النفس والمال. والأصل في معنى كلمة الحرب التعدي وسلب المال. لسان العرب : الحرب بالتحريك أن يسلب الرجل ماله، حربه يحربه ( بوزن طلب. وكذا بوزن تعب ) إذا أخذ ماله، فهو محروب وحريب، من قوم حربى وحرباء. ثم قال حريبة الرجل ماله الذي يعيش به، اه فأنت ترى أن الحرب والمحاربة، ليس مرادفا للقتل والمقاتلة. وإنما الأصل فيها الاعتداء والسلب وإزالة الأمن. وقد يكون ذلك بقتل وقتال وبدونهما. وقد ذكر القتل والقتال في القرآن في أكثر من مئة آية. وأما المحاربة فلم تذكر إلا في هذه وفي قوله تعالى في بيان علة بناء المنافقين لمسجد الضرار وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل [ التوبة : ١٠٧ ]. قال رواة التفسير المأثور : أي وترقبا وانتظارا للذي حارب الله ورسوله من قبل بناء هذا المسجد، وهو أبو عامر الراهب، فإنه كان شديد العداوة للإسلام ووعد المنافقين بأن يذهب ويأتيهم بجنود من عند قيصر للإيقاع بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين. فمحاربة هذا الراهب من قبل كانت باثارة الفتن لا بالقتال والنزال. وأما لفظ ( الحرب ) فقد ذكر في أربعة مواضع من أربع سور. منها إعلام المصرين على الربا بأنهم في حرب لله ورسوله بأكلهم أموال الناس بالباطل. والباقي بالمعنى المشهور، وهو ضد السلم وكان أهل البوادي – ولا يزالون – يغزو بعضهم بعضا لأجل السلب والنهب. وقد جعل الفقهاء كتاب المحاربة – ويقولون الحرابة أيضا – غير كتاب الجهاد والقتال. وجعلوا الأصل فيها هاتين الآتين. وعرفوها بأنها إشهار السلاح وقطع السبيل، واشترط بعضهم كالشافعي أن يكون ذلك من أهل الشوكة. ( كالذين يؤلفون العصابات المسلحة للسلب والنهب وقتل من يعارضهم، أو لمقاومة السلطة ابتغاء الفتنة والفساد ) واشترطوا فيها شروطا سنشير إلى المهم منها.
أما كون هذا النوع من العدوان محاربة لله ورسوله فلأنه اعتداء على شريعة السلام والأمان، والحق والعدل الذي أنزله الله على رسوله، فمحاربة الله ورسوله هي عدم الإذعان لدينه وشرعه في حفظ الحقوق، كما قال تعالى في المصرين على أكل الربا فأذنوا بحرب من الله ورسوله [ البقرة : ٢٧٩ ] وليس معناه محاربة المسلمين، كما قال بعض المفسرين. فمن لم يذعنوا للشرع فيما يخاطبهم به في دار الإسلام (٥) يعدون محاربين الله ورسوله عليه السلام، فيجب على الإمام، الذي يقيم العدل ويحفظ النظام، أن يقتلهم على ذلك ( كما فعل الصديق رضي الله عنه بمانعي الزكاة ) حتى يفيئوا ويرجعوا إلى أمر الله، ومن رجع منهم في أي وقت يقبل منه ويكف عنه. ولكن إذا امتنعوا على إمام العدل المقيم للشريعة، وعثوا إفسادا في الأرض، كان جزاؤهم ما بينه الله في هذه الآية. فقوله تعالى : وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا متمم لما قبله، أي يسعون فيها سعي فساد، أو مفسدين في سعيهم لما صلح من أمور الناس، في نظام الاجتماع وأسباب المعاش.
والفساد ضد الصلاح، وكل ما يخرج عن وضعه الذي يكون به الصالح نافعا يقال إنه قد فسد. ومن عمل عملا كان سببا لفساد شيء من الأشياء يقال إنه أفسده، فإزالة الأمن على الأنفس أو الأموال أو الأعراض، ومعارضة تنفيذ الشريعة العادلة وإقامتها – كل ذلك إفساد في الأرض. روى عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد أن الفساد هنا الزنا والسرقة وقتل الناس وإهلاك الحرث والنسل. وكل هذه الأعمال من الفساد في الأرض، واستشكل بعض الفقهاء قول مجاهد بأن هذه الذنوب والمفاسد لها عقوبة في الشريعة غير ما في الآية، فللزنا والسرقة والقتل حدود، وإهلاك الحرث والنسل يقدر بقدره ويضمنه الفاعل، ويعزره الحاكم بما يؤديه إليه اجتهاده. وفات هؤلاء المعترضين أن العقاب المنصوص في الآية خاص بالمحاربين من المفسدين، الذين يكاثرون أولي الأمر، ولا يذعنون لحكم الشرع، وتلك الحدود إنما هي للسارقين الزناة أفرادا، الخاضعين لحكم الشرع فعلا، وقد ذكر حكمهم في الكتاب العزيز بصيغة اسم فاعل مفرد كقوله : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا [ المائدة : ٣٨ ] والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة [ النور : ٢ ] وهم يستخفون بأفعالهم، ولا يجهرون بالفساد حتى ينتشر بسوء القدوة بهم، ولا يؤلفون له العصائب ليمنعوا أنفسهم من الشرع بالقوة. فلهذا لا يصدق عليهم أنهم محاربون الله ورسوله ومفسدون، والحكم هنا منوط بالوصفين معا. وإذا أطلق الفقهاء لفظ المحاربين فإنما يعنون به المحاربين المفسدين. لأن الوصفين متلازمان.
ولا تتحقق محاربة الله ورسوله، بمحاربة الشرع ومقاومة تنفيذه، وإفساد النظام على أهله، إلا في دار الإسلام، وللكفار في دار الحرب أحكام أخرى كما قال الفقهاء، وأحكامهم تذكر في كتاب المحاربة أو الحرابة كما تقدم. وقد فطن لهذا المعنى بعضهم ولم يتضح له تمام الاتضاح، فاشترط أن يكون إفسادهم في دار الإسلام، ولا فصل حينئذ فيهم بين أن يكونوا مسلمين أو ذميين أو معاهدين أو حربيين كل من قدرنا عليه منهم نحكم بينهم بهذه الآية.
وقد اختلف الفقهاء في تعريف المحاربين فروى ابن جرير وغيره عن مالك بن أنس أنه قال : المحارب عندنا من حمل السلاح على المسلمين في مصر أو خلاء، فكان ذلك منه على غير ثائرة كانت بينهم ولا دخل ولا عداوة، قاطعا للسبيل والطريق والديار، مختفيا لهم بسلاحه. وذكر أن من قتل منهم قتله الإمام، ليس لولي المقتول فيه عفو ولا قود.
وقال ابن المنذر : اختلفت الرواية في مسألة إثبات المحاربة في المصر عن مالك فأثبتها مرة ونفاها أخرى. نقول : والصواب الإثبات لأنه المعروف في كتب مذهبه، وإنما اشترط انتفاء العداوة وغيرها من الأسباب ليتحقق كون ذلك محاربة للشرع، ومقاومة للسلطة التي تنفذه. وفي حاشية المقنع من كتب الحنابلة تلخيص لمذاهب الفقهاء في ذلك هذا نصه :
( يشترط في المحاربين ثلاثة شروط :
١- أن يكون معهم سلاح، فإن لم يكن معهم سلاح فليسوا محاربين لأنهم لا يمنعون من يقصدهم. ولا نعلم في هذا خلافا. فإن عرضوا بالعصي والحجارة فهم محاربون، وهو المذهب، وبه قال الشافعي وأبو ثور. وقال أبو حنيفة ليسوا محاربين.
٢- أن يكون ذلك في الصحراء، فإن فعلوا ذلك في البنيان لم يكونوا محاربين في قول الخرقي، وجزم به في الوجيز، وبه قال أبو حنيفة والثوري وإسحاق، لأن الواجب يسمى حد قطاع الطريق، وقطع الطريق إنما هو في الصحراء، ولأن في المصر يلحق الغوث غالبا فتذهب شوكة المعتدين ويكونون مختلسين. والمختلس ليس بقاطع ولا حد عليه. وقال أبو بكر : حكمهم في المصر والصحراء واحد. وهو المذهب. وبه قال الأوزاعي والليث والشافعي وأبو ثور : لتناول الآية بعمومها كل محارب، ولأنه في المصر أعظم ضررا فكان أولى.
٣- أن يأتوا مجاهرة ويأخذوا المال قهرا، فأما إن أخذوا مختفين فهم سراق، وإن اختطفوه وهربوا فهم منتهبون لا قطع عليهم، وكذلك إن خرج الواحد والاثنان على آخر قافلة فاستلبوا منها شيئا، لأنهم لا يرجعون إلى منعة وقوة. وإن خرجوا على عدد يسير فقهروهم فهم قطاع طريق )اه.
قال بعض المفسرين المستقلين بالفهم : إن أكثر الشروط التي اشترطها الفقهاء في هذا الباب لا يوجد لها أصل في الكتاب ولا في السنة. ونحن نقول : إن الآية تدل دلالة صريحة على أن هذا العقاب خاص بمن يفسدون الأرض، بالسلب والنهب أو القتل، أو إهلاك الحرث والنسل، ومثل ذلك أو منه الاعتداء على الأعراض، إذا كانوا محاربين لله ورسوله، بقوة يمتنعون بها من الإذعان والخضوع لشرعه، ولا يتأتي ذلك إلا حيث يقام شرعه العادل من دار الإسلام. فمن اشترط حملهم السلاح أخذ شرطه من كون القوة السلاح. وهو لو قيل له أنه يوجد أو سيوجد مواد تفعل في الإفساد والإعدام وتخريب الدور، وكذا في الحماية والمقاومة أشد مما يفعل السلاح ( كالدينامت المعروف الآن ) ألا تراه في حكم السلاح ؟ يقول : بلى. ومن اشترط خارج المصر، راعى الأغلب، أو أخذ من حال زمنه أن المصر لا يكون فيه ذلك. وما اشترط أحد شرطا غير صحيح أو غير مطرد إلا وله وجه انتزعه منه.
أما ذلك الجزاء الذي يعاقب به أمثال هؤلاء المفسدين بالقوة فهو أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ التقتيل هو التكثير أو التكرير أو المبالغة في القتل، فأما معنى التكرار أو التكثير فلا يظهر إلا باعتبار الأفراد، كأنه يقول : كلما ظفرتم بمن يستحق القتل منهم فاقتلوه. وأما المبالغة فتظهر بكون القتل حتما لا هوادة فيه ولا عفو من ولي الدم، وقد صرح بعض الفقهاء بأن المحاربين المفسدين إذا قدرنا على القاتل منهم نقتله إن عفا ولي الدم أو رضي بالدية. والتصليب التكرار أو المبالغة في الصلب، فيقال فيه ما قيل في التقتيل. ويمكن تكرار صلب الواحد على قول من قال : إن الصلب يكون بعد القتل لأجل العبرة، فيصلب المجرم في النهار وتحتفظ جثته ليلا، ثم يصلب في النهار قال الشافعي يصلب بعد القتل ثلاثة أيام. والظاهر أنهم يصلبون أحياء ليموتوا بالصلب كما قال الجمهور، وإلا لم يكن الصلب عقوبة ثانية. وأصل معنى الصلب ( بالتحريك ) والصليب في اللغة الودك ( الدهن ) أو ودك العظام التي يعد صلب الظهر جذع شجرتها، والصديد الذي يخرج من بدن الميت. قال في اللسان : والصلب مصدر يصلبه ( بكسر اللام ) صلبا، وأصله من الصليب وهو الودك أو الصديد..... والصلب هذه القتلة المعروفة مشتق من ذلك، وقد صلبه يصلبه صلبا، شدد للتكثير... والصليب المصلوب اه ويعني بالقتلة المعروفة أن يربط الشخص على خشبة أو نحوها منتصب القامة ممدود اليدين حتى يموت. وكانوا يطعنون المصلوب ليعجلوا موته. والشكل الذي يشبه المصلوب يسمى صليبا.
وأما تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، فمعناه إذا قطعت اليد اليمنى تقطع الرجل اليسرى. وفي هذا نوع من التكرار فصيغة التفعيل فيه أظهر مما قبله. وما قطع من يد أو رجل يحسم في الحال كما جرى عليه العمل. والحسم كي العضو المقطوع بالنار أو بالزيت وهو يغلي ليكيلا يستنزف الدم ويموت صاحبه. وفي معنى الحسم كل علاج يحصل به المراد، وربما كان الأفضل ما كان أسرع تأثيرا وأقل إيلاما وأسلم عاقبة، عملا بحديث ( إن الله كتب الإحسان على كل شيء. فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته )(٦) رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة عن شداد بن أوس.
وأما النفي من الأرض فيحتمل لفظ الآية فيه أن يكون عقوبة معطوفة على ما قبلها. وأن يكون ( أو ) بمعنى ( إلا أن ) أي جزاؤهم ما ذكر قبل إلا أن ينفوا من الأرض بالمطاردة ويخرجوا من دار الإسلام إلى الحرب التي لا حكم ولا سلطان للإ

٥ الشرع يخاطب المسلم بحقوق الله والناس معا، ويخاطب الذمي والمعاهد بحقوق الناس فقط..
٦ أخرجه مسلم في الصيد حديث ٥٧، وأبو داود في الأضاحي باب ١١، والترمذي في الديات باب ١٤، والنسائي في الضحايا باب ٢٢، ٢٦، ٢٧، وابن ماجه في الذبائح باب ٣، والدارمي في الأضاحي باب ١٠، وأحمد في المسند ٤/١٢٣، ١٢٤، ١٢٥..

اختلف نقلة التفسير المأثور فيمن نزل فيهم هاتان الآيتان، على ما هو ظاهر من اتصالهما بما قبلهما أتم الاتصال. روى أحمد والبخاري ومسلم وأصحاب السنن عن أنس أن ناسا من عكل وعرينة قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وتكلموا بالإسلام، فاستوخموا(١) المدينة فأمر لهم النبي صلى الله عليه وسلم بذود(٢)وراع، وأمرهم أن يخرجوا فليشربوا من أبوالها وألبانها. فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا الذود. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فبعث الطلب في آثارهم، فأمر بهم فسمروا أعينهم(٣) وقطعوا أيديهم، وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم(٤). زاد البخاري : أن قتادة الراوي للحديث عن أنس قال : بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة. وفي رواية لأحمد والبخاري وأبي داود قال قتادة فحدثني ابن سيرين أن ذلك كان قبل أن تنزل الحدود ( أي في الآية التي نحن بصدد تفسيرها ) وروى أبو داود والنسائي عن أبي الزناد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قطع الذين سرقوا لقاحه وسمل أعينهم بالنار، عاتبه الله في ذلك فأنزل إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا الآية. وفي القصة روايات أخرى مفصلة. ومنها أنه أباح لهم إبل الصدقة كلها في غدوها ورواحها.
وروى أبو داود والنسائي عن ابن عباس في الآية قال : نزلت في المشركين منهم، من تاب قبل أن يقدر عليه لم يكن عليه سبيل، وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد إن قتل أو أفسد في الأرض، أو حارب الله ورسوله، ثم لحق بالكفار قبل أن يقدروا عليه، ولم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه. ( ومثله عند ابن جرير عن الحسن ) وروى ابن جرير والطبراني في الكبير عن ابن عباس أيضا أنه قال : كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عهد وميثاق، فنقضوا العهد، وأفسدوا في الأرض، فخير الله نبيه فيهم، إن شاء أن يقتل وإن شاء أن يقطع أيدهم وأرجلهم من خلاف، وفي بعض الروايات زيادة إلا من أسلم قبل أن يؤخذ. وروى ابن جرير أيضا ما تقدم من كون الآية نزلت عتابا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم على سمل أعين العرنيين وقطع أيديهم وتركها بدون حسم فكانت الآية تحريما للمثلة عند هؤلاء. على أنه ثبت أنه كان صلى الله عليه وآله وسلم ينهى عن المثلة قبل نزول المائدة. وروي عن آخرين أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان أمر بسمل أعينهم وقطعهم كما فعلوا بالراعي المسلم – وفي بعض الروايات الرعاة بالجمع – فنزلت الآية فترك ذلك ولم يفعله.
وقد اختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال بعضهم إنه خاص بمثل من نزلت فيهم من الكفار مطلقا ؟ أو الذين غدوا من اليهود، أو الذين خدعوا النبي والمسلمين بإظهار الإسلام حتى إذا تمكنوا من الإفساد بالقتل والسلب عادوا إلى قومهم وأظهروا شركهم معهم. وذهب أكثر الفقهاء إلى أنها خاصة بمن يفعلون هذه الأفعال من المسلمين، وكأنهم اعتدّوا بما أظهره العرنيون من الإسلام. ورووا عدة روايات في تطبيق الآية على الخوارج، بل قالوا إنها نزلت فيهم.
والظاهر المتبادر بصرف النظر عن الروايات المتعارضة أنها عامة لكل من يفعل هذه الأفعال في دار الإسلام إذا قدرنا عليهم وهم متلبسون بها بالفعل أو الاستعداد. وقد قال الذين جعلوها خاصة بالمسلمين : إن أحكام الكفار في الحرب معروفة بالنصوص والعمل، وليس فيها هذه الدرجات في العقاب. وجوابه أن هذا العقاب خاص بمن فعل مثل أفعال العرنيين، فلا يقتضي ذلك أن يتبع في حرب كل من حاربنا من الكفار. وقال بعضهم : إن استثناء من تابوا قبل القدرة عليهم دليل على إرادة المسلمين، لأن الكفار لا يشترط في توبتهم أن تكون قبل القدرة عليهم. ويجاب عن هذا بأن التوبة من هذا الإفساد هي التي يشترط فيها أن تكون قبل القدرة عليهم، لا التوبة من الكفر.
ومجموع الروايات في قصة العرنيين تفيد أنهم جعلوا الإسلام خديعة للسلب والنهب، وأنهم سملوا أعين الرعاة ثم قتلوهم ومثلوا بهم، وفي بعضها أنهم اعتدوا على الأعراض أيضا وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عاقبهم بمثل عقوبتهم عملا بقوله تعالى : وجزاء سيئة سيئة مثلها [ الشورى : ٤٠ ] وقوله : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله [ البقرة : ١٩٤ ] إن صح أن الآية نزلت بعد عقابهم. ولم يعف عنهم كعادته لئلا يتجرأ على مثل فعلتهم أمثالهم من أعراب المشركين وغيرهم، فأراد بذلك القصاص وسد الذريعة، وأن الله تعالى أنزل الآية بهذا التشديد في العقاب على مثل هذا الإفساد، لهذه الحكمة، وهي سد ذريعة هذه المفسدة، ولكنه حرم مع ذلك كله المثلة، وهي تشويه الأعضاء. ولا مفسدة أشد وأقبح من سلب الأمن على الأنفس والأعراض والأموال الناطقة والصامتة. فرب عصبة من المفسدين تسلب الأمان والاطمئنان من أهل ولاية كبيرة. ورب عصبة مفسدة تعاقب بهذه العقوبات المنصوصة في الآية فتطهر الأرض من أمثالها زمنا طويلا.
والتشديد في سد الذرائع ركن من أركان السياسة لا تزال جميع الدول تحافظ عليه، حتى أن بعضهم يحكم الوهم فيه. ومن الأمر الإدّ، ما اجترحته إنكلترة في مصر بهذا القصد، إذ مر بقرية ( دنشواي ) منذ سنين قليلة أفراد من جند الإنكليز كانوا يصيدون الحمام عند بيدرها فتخاصموا مع أصحاب الحمام وتضاربوا، فعظم على الإنكليز تجرؤ الفلاح المصري، على ضرب الجندي الإنكليزي، فعقدوا المحكمة العرفية لمحاكمة أولئك الفلاحين برياسة بطرس باشا غالي، فحكمت على بعض أولئك الفلاحين بأن يصلبوا ويعذبوا بالضرب بالسياط ( الكرابيج ) ذات العقد حتى تتأثر لحومهم، وأن يبقوا مصلوبين بعد موتهم مدة طويلة، وأن يكون ذلك على أعين أهليهم وأعين الناس، ونفذ الحكم. وقد أنكر هذه القسوة واستفظعها الناس حتى بعض أحرار الإنكليز في بلادهم، وشنعوا عليها في الجرائد وفي مجلس النواب. ومثل هذه الحادثة لا تعد من الخروج على ذي السلطان، ولا من الفساد في الأرض. ولكن قصد الإنكليز بالقسوة فيها أن لا يتجرأ أحد على مقاومة جندي إنكليزي وإن اعتدى فأين هذا من عدل الإسلام الذي ساوى خليفته عمر بن الخطاب بين ابن فاتح مصر وقائد جيشها وحاكمها العام ( عمرو بن العاص ) وبين غلام قبطي، إذ تسابقا فسبق القبطي ابن الحاكم فصفعه هذا وقال : أتسبقني وأنا ابن الأكرمين ؟ فلما رفع الأمر إلى عمر رضي الله عنه لم يرض إلا أن يصفع القبطي ابن الفاتح الحاكم كما صفعه. وقال لعمرو كلمته الذهبية المشهورة : يا عمرو ! منذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ؟ ولكن المسلمين لما تركوا حكم الإسلام صاروا يطلبون من الإنكليز ومن دون الإنكليز أن يعلموهم العدل وقوانينه ! !

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير