إنما جزاءوا الذين يحاربون الله ورسوله أي يحاربون عباد الله ويحاربون رسوله فإنه صلى الله عليه وسلم هو الحافظ للطرق والخلفاء والملوك بعده نوابه، أو المعنى يحاربون الله ورسوله أنهم يخالفون أمرها ويهتكون حرمة دماء وأموال ثبت بإثباتهما، قال : البيضاوي أصل الحرب السلب وفي القاموس الحرب معروف والسلب وهذا يدل على كونه مشتركا وكلام البيضاوي يدل على كونه منقولا يسعون في الأرض فسادا أي مفسدين أو للفساد، وجاز أن يكون منصوبا على المصدرية لأن سعيهم كان فسادا وقيل : يفسدون في الأرض فسادا. واختلفوا في نزول هذه الآية ؟ أخرج ابن جرير عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس يسأله عن هذه الآية ؟ أخرج ابن جرير عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس يسأله عن هذه الآية فكتب إليه أنس أن هذه الآية نزلت في العرنيين ارتدوا عن الإسلام وقتلوا الراعي واستقادوا الإبل الحديث، ثم أخرج عن جرير مثله، وأخرج عبد الرزاق نحوه عن أبي هريرة وكذا ذكر البغوي : قول سعيد بن جبير، روى البخاري وغيره عن أنس قال :( لما قدم علي النبي صلى الله عليه وسلم نفر من عكل فأسلموا فاجتوت المدينة فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها ففعلوا فصحوا فارتدوا وقتلوا رعاتها واستاقوا فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في آثارهم فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم ثم أمرهم بمسامير فكحلهم بها وطرحهم بالحرة يستسقون فما يسقون حتى ماتوا(١)قال : أبو قلابة : قتلوا وسرقوا وحاربوا الله ورسوله وسعوا في الأرض فسادا. واختلفوا فيما فعل بالعرنيين ؟ فقال : بعضهم منسوخ بهذه الآية لأن المثلة لا يجوز، قال : بعضهم : حكم ثابت إلا السمل والمثلة وهذا القول لا يتصور إلا إذا كان الإمام مخيرا بين الأحكام الأربعة المذكورة في هذه الآية، وروى قتادة عن ابن سيرين أن ذلك كان قبل أن ينزل الحدود، وقال : أبو الزناد لما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بهم أنزل الله الحدود ونهاه عن المثلة فلم يعد، وعن قتادة قال : بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة، وقال : سليمان التيمي عن أنس إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعينهم لأنهم سملوا أعين الرعاة، وقال : الليث بن سعد نزلت هذه الآية معاتبة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعليما منه إياه عقوبتهم وقال : إنما جزاءهم هذه لا المثلة، وقال : الضحاك نزلت هذه الآية في قوم من في قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فنقضوا العهد وقطعوا السبيل وأفسدوا في الأرض، وقال : الكلبي : نزلت في قوم هلال بن عويمر وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وادع هلال بن عويمر وهو أبو برزة الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه ومن مر بهلال بن عويمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أمن ولا يهاج فمر قوم من بني كنانة يريدون الإسلام بناس من أسلم من قوم هلالا ابن عويمر ولم يكن هلال شاهدا إليهم فقتلوهم وأخذ أموالهم فنزل جبرئيل عليه السلام بالقضية فيهم والله أعلم.
فائدة : أجمعوا على أن المراد بالمحاربين المفسدين في هذه الآية قطاع الطريق سواء كانوا مسلمين أو من أهل الذمة، واتفقوا على أن من برزو شهر السلاح مخيفا مغيرا خارج المصر بحيث لا يدركه الغوث فهو محارب قاطع للطريق جارية عليه أحكام هذه الآية. واختلفوا فيمن قطع الطريق ليلا أو نهارا في المصر أو بين الكوفة والحيرة مثلا ؟ فقال : مالك رضي الله عنه والشافعي رضي الله عنه وأحمد رضي الله عنه هو قاطع محارب، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يثبت هذا الحكم إلا فيمن يكون خارج المصر بعيدا منه بحيث لا يلحقه الغوث كذا ذكر صاحب رحمة الأمة، قال البغوي : المكابرون في الأمصار داخلن في حكم هذه الآية وهو قول مالك والأوزاعي والليث ابن سعد والشافعي رضي الله عنه وقال همام هذا مذهب الشافعي رضي الله عنه فإن في وجيزهم من أخذ في البلد ما لا مغالبة فهو قاطع طريق، وعلى ظاهر الرواية من مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه يشترط أن يكون بين مكان القطع وبين المصر ولم مسيرة سفر، وعن أبي يوسف رضي الله عنه أنه إذا كان خارج المصر ولم يقرب منه يجب الحد لأنه لا يلحقه الغوث لأنه محارب بل مجاهرته هاهنا أغلظ من مجاهرته في المفازة ولا تفصيل في النص في مكان القطع، وعن مالك كل من أخذ المال على وجه لا يمكن لصاحبه الاستعانة فهو محارب وعنه لا محاربة إلا على قدر ثلاثة أميال من العمران، وتوقف أحمد مرة وعند أكثر أصحابه أن يكون بموضع لا يلحق الغوث، وعن أبي يوسف رضي الله عنه في رواية أخرى إن قصد بالسلاح نهارا في المصر فهو قاطع وإن قصد بخشب ونحوه فليس بقاطع، وفي الليل يكون قاطعا بالخشب والحجر لأن السلاح لا يلبث فيتحقق القطع قبل الغوث والغوث يبطئ بالليل فيتحقق القطع فيها بلا سلاح، وفي شرح الطحاوي والفتوى على قول أبي يوسف رضي الله عنه يعني هذا، قال : في الهداية قول أبي حنيفة رضي الله عنه استحسان والقياس قول الشافعي رضي الله عنه لوجود قطع الطريق حقيقة، ووجه الاستحسان أن قطع الطريق بقطع المادة ولا يتحقق ذلك في المصر ويقرب منه لأن الظاهر لحوق الغوث انتهى كلامه، وقال : ابن همام وأنت تعلم أن الحد المذكور في الآية لم ينط بمسمى قطع الطريق وإنما هو اسم من الناس وإنما ينط بمحاربة عباد الله على ما ذكرنا من تقديم المضاف وذلك يتحقق في خارجه ثم هذا الدليل المذكور لا يفيد تعيين مسيرة ثلاثة أيام بين المصر وبين القاطع، قلت : وحديث العرنيين يأبى عن اشتراط هذه المسافة بين المصر ومكان القطع والله أعلم.
مسألة : ويشترط كونهم ذا منعة جماعة ممتنعين أو واحد يقدر على الامتناع لا مختلسون يتعرضون لآخر القافلة يعتمدون المهرب والذين يغلبون شرذمة بقوتهم فهم قطاع في حقهم وإن لم يكونوا قطاعا في حق قافلة عظيمة، وهذا الشرط يستفاد من الآية فإن المحاربة والفساد في الأرض لا يتحقق بدون المنعة والقدرة على الامتناع أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف يعني أيديهم الإيمان وأرجلهم الأيسار بإجماع الأمة أو ينفوا من الأرض ذهب قوم إلى أن الإمام بالخيار في أمر المحاربين بين القتل والصلب والقطع والنفي كما هو المستفاد من ظاهر الآية بكلمة أو فإنها للتخيير ولا يحتاج حينئذ إلى تقدير تقييد وهو قول سعيد ابن المسيب وعطاء وداود والحسن والضحاك والنخعي ومجاهد أبو ثور، قال : مالك إنه يفعل فيهم الإمام على ما يراه ويجتهد فمن كان منهم ذا رأي وقوة قتله فإن رأي زيادة سياسة صلب ومن كان ذا قوة وجلدة بلا رأي قطعه من خلاف ومن كان لا رأي له ولا قوة له نفاه، والمراد بالنفي عنده أن يخرج من البلد الذي كان فيه إلى غيره ويحبس فيه كما سنذكر قول محمد بن جبير، ويشترط عند مالك في المال المأخوذ أن يكون جملتها نصابا ولا يشترط عنده أن يكون نصيب كل واحد من المحاربين نصابا، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه والشافعي رضي الله عنه وأحمد رضي الله عنه والأوزاعي وقتادة كلمة أو للتوزيع على أحوال القاطع إن قصدوا قطع الطريق وأخافوا فأخذ قبل أن يأخذوا مالا أو يقتلوا نفسا ينفوا من الأرض، والمراد بالنفي عند أبي حنيفة رضي الله عنه أن يحبس حتى يظهر منه التوبة لأنه نفي عن وجه الأرض لدفع شرهم عن أهلها، قال : مكحول إن عمر بن الخطاب أول من حبس في السجون وقال : أحبسه حتى أعلم منه التوبة ولا أنفيه إلى بلد فيؤذيهم، وقال محمد بن جبير ينفى من بلده إلى غيره ويحبس في السجن في البلد الذي نفي إليه حتى يظهر توبته وعلى هذا القول يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، وقال : أكثر العلماء هو أن يطلبه الإمام ففي كل بلد يوجد ينفى عنه ولا يتمكنون من القرار في الموضع. وإن أخذوا مال مسلم أو ذمي ولم يقتلوا والمأخوذ إذا قسم على جماعته أصاب كل واحد نصاب السرقة وهو عشرة دراهم عند أبي حنيفة رضي الله عنه وربع دينار عند الشافعي رضي الله عنه وأحمد رضي الله عنه أو ثلاثة دراهم كما سنذكره إن شاء الله تعالى قطع الإمام أيديهم وأرجلهم من خلاف وإن قتلوا ولم يأخذوا مالا قتلهم الإمام حدا ولا يلتفت إلى عفو الأولياء. وإن باشر القتل أو الأخذ أحدهم أجري الحد على جميعهم عند أبي حنيفة رضي الله عنه ومالك وأحمد رضي الله عنه لأنه جزاء المحاربة وهي يتحقق بأن يكون البعض ردا للبعض، حتى لو زالت أقدمهم انحازوا إليهم وإنما الشرط القتل من واحد منهم والتشديد في قوله تعالى أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع يفيد أن يجري الحد بمباشرة بعضهم على كلهم واحدا بعد واحد فإن التفعيل للتكثير وأيضا يفيد المبالغة ولا يجوز عفوه، وقال : الشافعي رضي الله عنه : لا يجب على الرد غير التعزير بالحبس والتغريب وغير ذلك وإن قتلوا وأخذوا المال فعند أبي حنيفة رضي الله عنه وأبي يوسف الإمام بالخيار إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وقتلهم وصلبهم إن شاء قتلهم وإن شاء صلبهم، وعند الشافعي رضي الله عنه وأحمد رضي الله عنه قتلوا وصلبوا ولا قطع فيه وهو الظاهر من الآية، وقال محمد يقتل أو يصلب ولا يقطع لأنه جناية واحدة فلا توجب حدين ولأن ما دون النفس يدخل في النفس في باب الحد كحد السرقة والرجم وجه قول أبي حنيفة رضي الله عنه أن هذه عقوبة واحدة تغلظت لتغلط سببها وهو تفويت الأمن على التناهي بالقتل وأخذ المال ولهذا كان قطع اليد والرجل في السرقة الكبرى حد واحد إن كان في الصغرى حدين والتداخل إنما يكون في حدين لا في حد واحد وعن أبي يوسف رضي الله عنه أنه يقتل ويصلب البتة ولا يترك الصلب، لأنه منصوص عليه والمقصود به التشهير وليعتبر به غيره، وقال : أبو حنيفة رضي الله عنه أصل التشهير بالقتل والمبالغة في الصلب فيخير فيه وصفة الصلب عند الشافعي رضي الله عنه أنه يقتل ثم يصلب، وقيل : عنده يصلب حيا ثم يطعن برمح حتى يموت وكلا الروايتين عن أبي حنيفة رضي الله عنه الأولى مختار الطحاوي رضي الله عنه توقيا عن المثلة والثانية مروي عن الكرخي رضي الله عنه وهو الأصح لدخول كلمة أو بين القتل والصلب ولا يصلب فوق ثلاثة أيام عند أبي حنيفة رضي الله عنه لأنه يتغير بعدها فيتأذى به الناس وعن أبي يوسف رضي الله عنه أنه يترك على خشبة حتى ينقطع فيسقط ليعتبر به غيره. قلنا : يحصل الاعتبار بالصلب والنهاية غير مطلوبة وهذا التفسير الذي اختاره الجمهور رواه الشافعي رضي الله عنه عن ابن عباس، قال : في قطاع الطريق إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض، ورواه البيهقي من طريق محمد بن سعد العوفي عن آبائه إلى ابن عباس في هذه الآية، قال : إذا حارب وقتل فعليه القتل إذا ظهر عليه قبل توبته وإذا حارب وأخذ المال وقتل فعليه الصلب وإن لم يقتل فعليه قطع اليد والرجل من خلاف وإن حارب وأخاف السبيل فعليه النفي، وروى محمد عن أبي يوسف رضي الله عنه عن الكلبي : عن أبي صالح عن ابن عباس قال :( وادع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا بردة هلال بن عويمر الأسل
التفسير المظهري
المظهري