ويقول الحق من بعد ذلك :
إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم( ٣٣ ) :
أول شيء في الحرب هو الاستيلاء فمعنى أن يحارب قوم قوما غيرهم أي يرغبون في الاستيلاء على خيرات أو ممتلكات الطرف الآخر، فكيف يحارب قوم الله وهو غيب ؟ وأول حرب لله هي محاولة الاستيلاء على سلطانه، وهو تشريعه فإن حاولت أيها الإنسان أن تشرع أنت على غير منهج الله فأنت تريد أن تستولي على حق الله في التشريع وهذه أول حرب لله.
والذين يحاربون الله أهم الذين يريدون أن يستولوا على ملك الله ؟ لا، لأن يد الله في ملكه أزلا وستبقى أبدا وسبحانه لن يسلمه لأحد من عباده، فعلى ماذا إذن يريدون الاستيلاء ؟ إنهم يريدون تزييف تشريعات الله بينما سبحانه هو المشرع وحده، والتشريع كما قلنا هو قانون صيانة للصنعة، إذن لماذا لا نترك خالق الإنسان ليضع القواعد التي تصون البشر، لذلك فأول افتيات يفعله الناس أنهم يشرعون لأنفسهم لأن قانون صيانة الإنسان يضعه خالق الإنسان فإذا ما جاء شخص وأراد أن يضع للإنسان الذي هو منه قانون صيانة نقول له : إنك تستولي على حق الله.
وكيف يحاربون الرسول ؟.
نعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم له وضعان، فالله غيب لكن الرسول كان مشهدا من مشاهدنا في يوم من الأيام، وقد حورب بالسيف، وعندما انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى أصبحت حربه كحرب الله، فنأخذ سلطته في التشريع، وهي السلطة الثانية ونقول لها : نحن سنشرع لأنفسنا ولا ضرورة لهذا الرسول، أو أن يقول نظام ما : سنأخذ من كلام الله فقط وذلك ما ينتشر في بعض البلدان ونقول لكل واحد من هؤلاء : أتؤدي الصلاة ؟ فيقول : نعم. نسأله : كم ركعة صليت المغرب ؟ فيجيب ثلاث ركعات. نسأله : من أين أتيت بذلك ؟ ومن أين عرفت أن صلاة المغرب ثلاث ركعات وهي لم تذكر في القرآن الكريم ؟ هنا سيصمت.
ونسأله : كيف تخرج الزكاة وبأي حساب تحسبها ؟ فيقول : أخرج الزكاة بقدر اثنين ونصف بالمائة في النقدين والتجارة مثلا.
نقول له : كيف إذن عرفت ذلك ؟ وأيضا كيف عرفت الحج ؟ إذن فللرسول صلى الله عليه وسلم مهمة، وحرب النبي تكون في ترك قول أو فعل أو تقرير له عليه الصلاة والسلام.
ومثال ذلك هؤلاء الذين يقولون : إن أحاديث رسول الله كثيرة، ونقول لهم : كانت مدة رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة وعشرين عاما وكل كلامه حديث، فكل كلمة خرجت من فمه حديث شريف ولو كنا سنحسب الكلام فقط لكان مجلدات لا يمكن حصرها، وكل كلام سمعه وأقره من غيره حديث، وكل فعل فعله غيره أمامه وأقره ولم يعترض عليه حديث، فكم تكون أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وكيف يستكثر بعض الناس قدرا من الأحاديث التي وصلتنا بعد قدر هائل من التنقية البالغة ؟ لأنهم قالوا : لأن نبعد عن رسول الله ما قاله خير من أن ندخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يفعله، إنهم يدعون أن هذا حفظ للإسلام ولكن فاتهم أن الله حافظ دينه، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وضع القواعد لغربلة الأحاديث فقال :" من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " (١).
وها هو ذا البخاري ينقل عن المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم والذين قابلوه وسيدنا مسلم يعتبر المعاصرة كافية لأنها مظنة المقابلة وتحري كل منهما الدقة الفائقة، وأي شخص كان به خدشة سلوكية لا يؤخذ بقوله، ولذلك عندما حاول البعض أن ينال من الأحاديث وقال أحدهم : " أنا يكفيني أن أقول لا إله إلا الله "، تساءلت : كيف لا يذكر أن محمدا رسول الله ؟ وكيف يمكن أن يؤدي الآذان للصلاة ؟ وكيف يؤدي الصلاة ؟ وكيف يمكن أن يفهم قول الحق : وما آتاكم الرسول فخذوه ( من الآية٧سورة الحشر ).
وهذا تفويض من الله في أن يكون لمحمد صلى الله عليه وسلم تشريع.
وكذلك الاجتراءات على الأئمة، هم يجترئون أولا على النبي ثم يزحفون على الدين كله وجاء فيهم قول الحق : " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا " أي يخرجون الصالح بذاته عن صلاحه ليكون فاسدا، الجزاء أن يقتلوا أو يصلبوا، وهذا التفعيل في قوله :( أن يقتلوا أو يصلبوا ) جاء للشدة والتقوية، حتى يقف منهم المجتمع الإيماني العام موقف القائم على هذا الأمر والسلطة الشرعية قامت عن الجميع في هذا الأمر، كما يقال : إن النائب العام نائب عن الشعب، في أن يرفع الدعوى حتى لا ينتشر التقتيل بين الناس، دون أن يفقهوا حكمة كل أمر.
أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض " وهل " أو " هنا تخييرية، أو أن هنا كما يقال " لف ونشر " ؟ واللف هو الطي والنشر هو أن تبسط الشيء وتفرقه.
فما اللف وما النشر إذن ؟ مثل ذلك ما يقوله الشاعر :
قلبي وجفني واللسان وخالقي
لقد ذكر متعدد ولكن الأحكام غير مذكورة هذا هو اللف فجمع المبتدءات دون أن يذكر لكل واحد منها خبره، ثم جاء بالأحكام على وقف المحكوم عليه فأكمل بيت الشعر بقوله :
راض وباك شاكر وغفور
ولنقرأ البيت كاملا :
قلبي وجفني واللسان وخالقي **** راض وباك شاكر وغفور
والحق يقول :
ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ( من الآية٧٣سورة القصص ).
فقوله : " لتسكنوا فيه " راجع إلى الليل، وقوله : " ولتبتغوا من فضله " راجع إلى النهار وهنا جاء باللف ثم جاء بالنشر.
والفساد كما نعلم له صور متعددة فالفساد في الإنسان قد يعني قتله أو قتله وأخذ ماله أو الاستيلاء على ماله دون قتله، أو إثارة الرعب في نفس الإنسان دون أخذ ماله أو قتله فكأن كلمة الفساد طوى فيها ألوان الفساد، نفس تقتل أو نفس تقتل مع مال يسلب ويؤخذ أو مال يؤخذ دون نفس تقتل أو تخويف وتفزيع.
ويقول الحق : " أو ينفوا من الأرض " والنفي معناه الطرد والإبعاد، والطرد لا يتأتى إلا لثابت مستقر، والإبعاد لا يتأتى إلا لمتمكن إذن فقبل أن ينفي لا بد أن يكون له ثبوت وتمكن في موضع ما، وهو ما نسميه اصطلاحا السكن، أو الوطن أو المكان الذي يقيم به الإنسان لأنه ثابت فيه، ومعنى ثابت فيه أي له حركة في دائرته إلا أنه يأوي إلى مكان مستقر ثابت، ولذلك سمي سكنا أي يسكن فيه من بعد تحركه في مجالاته المختلفة، ومعنى النفي على هذا هو إخراجه من مسكنه ومن وطنه الذي اتخذه موطنا له وكان مجالا للإفساد فيه. ولكن إلى أي مكان نخرج إليه هذا الذي نحكم عليه بالنفي ؟ قد يقول قائل : أنت إن أخرجته من مكان أفسد فيه وذهبت به إلى مكان آخر فقد تشيع فساده.
لا، لأن النفي لا يتيح له ذلك الإفساد ذلك أن التوطن الأول يجعل له إلفا بجغرافية المكان، وإلفا بمن يخيفهم، فهو يعرف سلوك جيرانه ويعرف كيف يخيف فلانا وكيف يغتصب بضاعة آخر وهكذا ولكنه إن خرج إلى مكان غير مستوطن فيه فسوف يحتاج إلى وقت طويل حتى يتعرف إلى جغرافية المكان ومواقع الناس فيه، ومواطن الضعف فيهم، وعلى ذلك يكون النفي هو منع لإفساد الفاسد.
وحين يقول سبحانه : " أو ينفوا من الأرض " نعرف أن كلمة " الأرض " لها مدلول ونسمي الأرض الآن : الكرة الأرضية وكانوا قديما يفهمونها على أنها اليابسة وما فيها من مياه، وبعد أن عرفنا أن جو الأرض منها صار جو الأرض جزءا من الأرض، ولذلك قلنا في المقدسات المكانية : إن كل جو يأخذ التقديس من مكانه، فجو الكعبة كعبة، بدليل أن الذي يصلي في الدور الثالث من الحرم، ويتجه إلى الكعبة، يصلي متجها إلى جو الكعبة، ومن يستقل طائرة ويرغب في إقامة الصلاة يتجه إلى جو الكعبة، وعندما ازدحم الحجيج وصار المسعى لا يتسع لكل الحجيج أقاموا دورا ثانيا حتى يسعى الناس فيه، إذن فالمسعى ليس هو المكان المحدد فقط، ولكن جوه أيضا له قدسية فإن بنينا كذا طابقا فهي تصلح أيضا كمسعى.
إذن فجو الأرض ينطبق عليه ما ينطبق على الأرض، ولذلك كانوا يحرمون قبل أن يوجد طيارون مسلمون أن يحوم في جو الحرم طيار غير مسلم، لأن الطيار غير المسلم محرم عليه أن يدخل الكعبة والحرم، ومادام هناك إنسان ممنوع من دخول الكعبة فهو أيضا ممنوع من الطيران في جو الكعبة.
لأن جو المكان يأخذ قدسية المكان أو حكمه، فالجو من الأرض، ونعرف أن الغلاف الجوي يدور مع الأرض، ومن هذا نعرف العطاءات القرآنية من القائل لكلامه، وهو سبحانه الخالق لكونه ومادام القائل للقرآن هو الخالق للكون، إذن لا يوجد تضارب بين حقيقة كونية وحقيقة قرآنية وإنما يوجد التضارب من أحد أمرين : إما أن نعتبر الأمر الذي لا يزال في طور النظرية حقيقة في حين أنها لم تصبح حقيقة بعد، وإما أن نفهم أن هذا حقيقة قرآنية، على الرغم من أنه ليس كذلك، فإذا كان الأمر هو حقيقة كونية بحق وحقيقة قرآنية بحق، فلا تضارب على الإطلاق ودليل ذلك على سبيل المثال قول الحق سبحانه :
ويعلم ما في الأرحام ( من الآية٣٤سورة لقمان )..
ويأتي العلم الحديث بالبحث والتحليل ويقول بعض السطحيين :
لا، إن العلم يعرف ما في الرحم من ذكر وأنثى ونقول : نحن لا نناقش ذلك، لأنها حقيقة كونية وهي لا تتصادم مع الفهم الصحيح للحقيقة القرآنية، لكننا نسأل : متى يعرف العلماء ذلك ؟ هم لا يعرفون هذا الأمر إلا بعد مضي مدة زمنية، ولكن الحق يعلمه قبل مرور أية مدة زمنية ثم من قال : إن الحق يقصد ب " ويعلم ما في الأرحام " ذكرا أو أنثى فحسب، وهل لمدلولها وجه واحد ؟ لا، بل له وجوه متعددة فلن يعرف أحد أن ما في الرحم سيكون من بعد إنسانا طويلا أو قصيرا، ذكيا أو غبيا شقيا أو سعيدا طويل العمر أو قصير العمر حليما أو غضوبا، فلماذا نحصر " ما " في مسألة الذكر والأنثى فقط ؟.
إنه هو سبحانه يعلم المستقبل أزلا قبل أن يعلم أي عالم وقبل أن يحصل العالم على أية عينة، ثم هل تذهب كل حامل إلى الطبيب ليفحص معمليا ما الذي تحمله في بطنها ؟ طبعا لا، ونحن لا نعلم ماذا في بطنها ولكن الخالق الأعظم يعلم، ثم هل تذهب كل النساء الحوامل في العالم لطبيب واحد ؟ بالطبع لا، ولكن الخالق الأعظم يعلم ما في كل الأرحام.
إذن فالحقيقة القرآنية لم تصطدم بأية حقيقة كونية، لكن الصدام يحدث عندما نفهم فهما خطأ أن الحقيقة القرآنية في قوله الحق : " ويعلم ما في الأرحام " مقصود به العلم بالذكر والأنثى فقط.
ومثال آخر، يقول الحق : والأرض مددناها )من الآية١٩سورة الحجر ).
ويخطئ البعض الفهم عن الله فيظن أن المقصود بذلك أن الأرض بساط أمام الإنسان وقد ثبتت للبشر حقيقة كونية هي أن الأرض كروية بالأدلة خلال رحلة ماجلان ثم بالقواعد الخاصة بوضع الأعمدة، وظهور أعالي الأشياء قبل أسافلها وغير ذلك، ثم صارت في عصرنا مشاهدة من الأقمار الصناعية إذن هذه الحقيقة الكونية لا كلام فيها وكان الخطأ هو فهم مدلول الحقيقة القرآنية والفهم الصواب في مدلول الحقيقة القرآنية الخاصة بقوله تعالى : " والأرض مددناها "، إننا كلما وقفنا في مكان نجد أرضا، أي أن الأرض لا نهاية لها وليس لها حافة.
إذن فسبحانه قد مد الأرض أمام الإنسان بحيث إذا سار الإنسان في أي اتجاه، يجد أرضا ولا يتأتى ذلك إلا إذا كانت الأرض كروية، لهذا كان الخطأ في فهم مد
.
تفسير الشعراوي
الشعراوي