٢٠٤- قال الشافعي رحمه الله : ذكر الله ما فرض على أهل التوراة فقال عز وجل :
وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ اَلنَّفْسَ بِالنَّفْسِ إلى قوله : فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ . وروي في حديث عن عمر أنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي القود من نفسه، وأبا بكر يعطي القود من نفسه، وأنا أعطي القود من نفسي١.
قال الشافعي : ولم أعلم مخالفا في أن القصاص في هذه الأمة كما حكم الله عز وجل : أنه حكم به بين أهل التوراة، ولم أعلم مخالفا في أن القصاص بين الحرين المسلمين في النفس وما دونها من الجراح التي يستطاع فيها القصاص بلا تلف يخاف على المستفاد منه من موضع القود.
قال : والقصاص ما دون النفس شيئان : جرح يشق بجرح، وطرف يقطع بطرف. ( الأم : ٦/٥٠. ون الأم : ٧/٣٣٣. وأحكام الشافعي : ١/٢٨٠-٢٨١. )
ــــــــــــ
٢٠٥- قال الشافعي رحمه الله تعالى : قال الله عز وجل في أهل التوراة : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ اَلنَّفْسَ بِالنَّفْسِ ٢ الآية. قال : ولا يجوز ـ والله أعلم ـ في حكم الله تبارك وتعالى بين أهل التوراة أن كان حكما بينا إلا ما جاز في قوله : وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَـانًا فَلا يُسْرِف فِّى اِلْقَتْلِ ٣ ولا يجوز فيها إلا أن تكون كل نفس محرمة القتل، فعلى من قتلها القود. فيلزم من هذا أن يقتل المؤمن بالكافر المعاهد، والمستأمن، والصبي، والمرأة من أهل الحرب، والرجل بعبده وعبد غيره مسلما كان أو كافرا، والرجل بولده إذا قتله.
قال الشافعي : أو يكون قول الله تبارك وتعالى : وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا ٤ ممن دمه مكافئ دم من قتله، وكل نفس كانت تقاد بنفس، بدلالة كتاب الله عز وجل أو سنة أو إجماع، كما كان قول الله عز وجل : والأنثى بالأنثى ٥ إذا كانت قاتلة خاصة، لا أن ذكرا لا يقتل بأنثى.
قال الشافعي : وهذا أولى معانيه به، والله أعلم. لأن عليه دلائل منها : قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :« لا يقتل مؤمن بكافر »٦. والإجماع على أن لا يقتل المرء بابنه إذا قتله٧٨.
والإجماع على أن لا يقتل الرجل بعبده ولا بمستأمن من أهل دار الحرب، ولا بامرأة من أهل دار الحرب، ولا صبي.
قال الشافعي : وكذلك لا يقتل الرجل الحر بالعبد بحال٩. ولو قتل حر ذمي عبدا مؤمنا لم يقتل به.
قال الشافعي : وعلى الحر إذا قتل العبد قيمته كاملا بالغة ما بلغت، وإن كانت مائة ألف درهم أو ألف دينار١٠. ( الأم : ٦/٢٤-٢٥. ون أحكام الشافعي : ١/٢٧٣-٢٧٥.
وروى أبو داود في الديات (٣٣) باب: القود من الضربة وقص الأمير من نفسه (١٥)(ر٤٥٣٧) عن أبي فراس (الربيع بن زياد بن أنس الحارثي) قال: خطبنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: إني لم أبعث عمالي ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، فمن فُعل به ذلك فليرفعه إلي أقصه منه، فقال عمرو بن العاص: لو أن رجلا أدب بعض رعيته أنقصه منه؟ قال: إي والذي نفسي بيده أقصه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أقص من نفسه.
ورواه النسائي في القسامة (٤٥) باب: القصاص من السلاطين (٢٤-٢٥)(ر٧٤٩١) مختصرا..
٢ - المائدة: ٤٥..
٣ - الإسراء: ٣٣..
٤ - الإسراء: ٣٣..
٥ - البقرة: ١٧٨..
٦ - سبق تخريجه..
٧ - روى مالك في العقول (٤٣) باب: ما جاء في ميراث العقل والتغليظ فيه (١٧)(ر١٠) عن عمرو بن شعيب: أن رجلا من بني مدلج ـ يقال له قتادة ـ حذف ابنه بالسيف، فأصاب ساقه، فَنُزِيَ في جرحه فمات، فقدم سراقة بن جعشم على عمر بن الخطاب، فذكر ذلك له، فقال له عمر: اعْدُدْ عَلَى مَاء قُدَيْدٍ عشرين ومائة بعير حتى أقدم عليك، فلما قدم إليه عمر بن الخطاب أخذ من تلك الإبل ثلاثين حِقَّةً، وثلاثين جَذَعَةً، وأربعين خَلِفَةً، ثم قال: أين أخو المقتول؟ قال: هأنذا، قال: خُذْهَا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس لقاتل شيء».
ورواه الشافعي في المسند (ر١٣٧٨) وفي الرسالة ص: ١٧١. قال شاكر: وهو حديث منقطع لأن عمروا لم يدرك عمر بن الخطاب.
ورواه البيهقي في كتاب الجنايات باب: الرجل يقتل ابنه ٨/٣٨. منقطعا كذلك. ورواه موصولا عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص..
٨ - قال القاضي عبد الوهاب من المالكية: يقتل الوالد بولده إذا تعمد قتله. وحكي عن داود رحمه الله مثله.
وقال أبو حنيفة، والشافعي، والشعبي رحمهم الله: لا يقاد به مطلقا، وهو قول أشهب رحمه الله. وبه قال عطاء، ومجاهد، وأحمد، وإسحاق. ن عيون المجالس: ٥/١٩٨٢. ون تهذيب المسالك: ٥/٦٨٩..
٩ - وبه قال مالك في كتاب العقول (٤٣) باب: القصاص في القتل (٢١) حديث الباب: ليس بين الحر والعبد قود في شيء من الجراح، والعبد يقتل بالحر إذا قتله عمدا، ولا يقتل الحر بالعبد، وإن قتله عمدا، وهو أحسن ما سمعتُ.
قال القاضي عبد الوهاب: لا يقتل حر بعبده أصلا، سواء كان عبده أو عبد غيره. وبه قال الشافعي رحمه الله. وهو مذهب أبي بكر، وعمر، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم. وقال أبو حنيفة وأصحابه رحمهم الله: يقتل بعبد غيره، ولا يقتل بعبد نفسه، ووافقنا على أن لا قصاص بينهما في الأطراف. وقال النخعي رحمه الله: يقتل الحر بعبده وعبد غيره، وحكي عنه: أن بينهما القصاص في الأطراف، وما أظنه صحيحا. ن عيون المجالس: ٥/١٩٧٩-١٩٨٠. ون تهذيب المسالك: ٥/٦٧٢..
١٠ - وبه قال مالك في كتاب العقول (٤٣) باب: ما يوجب العقل على الرجل في خاصة ماله (١٦) حديث الباب: الأمر عندنا الذي لا اختلاف فيه أن العبد إذا قتل كانت فيه القيمة يوم يقتل، ولا تحمل عاقلة قاتله من قيمة العبد شيئا، قل أو كثر، وإنما ذلك على الذي أصابه في ماله خاصة، بالغا ما بلغ، وإن كانت قيمة العبد الدية أو أكثر، فذلك عليه في ماله، وذلك لأن العبد سلعة من السلع.
قال القاضي عبد الوهاب: قد ذكرنا أن الحر لا يقتل بالعبد، ولكن إذا قتل حر عبدا عمدا أو خطا فعليه قيمته، بالغة ما بلغت، وإن زادت على دية الحر أضعافا، لأنه سلعة من السلع. وبه قال الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق رحمهم الله. وقال أبو حنيفة، ومحمد رحمهما الله: إذا كانت قيمته دون عشرة آلاف درهم، وجب فيه كمال قيمته، وإن كانت قيمته عشرة آلاف درهم أو أكثر، لم يلزمه كمال قيمته، بل ينقص من قدر دية الحر عشرة دراهم، والعبد والأمة في هذا سواء في أنه ينقص من القيمة عشرة دراهم. وحكى أصحابنا عنهم أنه ينقص في الأمة خمسة دراهم. وهو خطأ، والأمة والعبد سواء، وهو عند أبي حنيفة رحمه الله في الخطأ. وأما في العمد فيقتل الحر عبده بالعبد. وبقولنا قال الشعبي، والنخعي، وأبو يوسف رحمهم الله. ن عيون المجالس: ٥/١٩٨٠-١٩٨١. ون تهذيب المسالك: ٥/٦٨٢..
تفسير الشافعي
الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي