قوله عز وجل: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)
أخبر تعالى بما أوجب عليه من القِصَاص.
واتفق الفقهاء: أن ذلك واجب علينا لوجوبه عليهم، لكن منهم
من قال: لم يكن في شريعتهم الدِّية، وقد جعلها في شريعتنا تخفيفاً على هذه الأمة،
وقوله: (وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ) يقتضي القَوَدُ فيه فقاءاً كان أو إذهاباً بضوئها.
ومن قال لا يُفعل من ذلك إلا الفقاء فليس بشىء، فالعين ليست بالعين في الحقيقة إذا لم تكن مبصرة بل بالأعضاء كلها إذا بطلت منفعتها خرجت عن أن تكون في
الحقيقة إياه إلا اعتبار الصورة التخطيطية، وذلك غير معتدٍ به ما لم يكن فيه
النفع.
واختلف الصحابة في عين الأعور، وهل يلزم فيه القَودُ ودِّية كاملة.
فمنهم من أوجب ذلك فيها لكونها سادَّة مسدَّ العينين.
والأنف يلزم فيها القصاص بالقطع.
وقال أبو حنيفة: إذا قطع الأنف من أصله فلا قصاص لأنه
لا يمكن اسشيفاؤه فيه كما لو قطع يده من نصف الساعد.
وقوله: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) إيجاب للقصاص في سائر الجراحات،
وقرئ: (وَالعَينُ بِالعَينِ) بالرفع كقولك: إن زيداً منطلق، وعمروا ذاهب.
وقوله: (وَالْجُرُوحَ) إذا قُرئ بالنصب فعلى العطف، وإذا قُرئ
بالرفع فعلى الاستئناف،
وقوله: (فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ) خطاب لولي القتيل وللجروح حثٌّ له على العفو، وذكر لفظ التصدق تنبيهاً على أن عفوه جار مجرى صدقةٍ يستحق بها ثواب، وتصير كفارةً له، وذكر هاهنا أن تارك الحكم بما أنزله ظالم، والظلم أعم من الكفر، لأن كل كافر ظالم وليس كل ظالم كافرا.
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار