ﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯ

وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون( ٤٥ ) .
هذا وصل لما ابتدأه الله سبحانه وتعالى من بيان مكانة التوراة التي أنزلت على موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم، إذ قد بين سبحانه وتعالى أن التوراة فيها هدى ونور، وأنها قد طبقت أزمانا، وأن الذين طبقوها أنبياء موحى إليهم، وفقهاء استخلصوا أحكامها وأرشدوا الناس إلى معانيها مؤمنين بها، ونفذها ربانيون يحكمون بالحق مبتغين مرضاة الله تعالى، ولا يبغون عن الحق حولا.
وفي هذه الآيات يبين الله تعالى من شريعة القصاص، فقد قال تعالت كلماته : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين .
ومعنى النص الكريم أننا فرضنا وقررنا حكما مكتوبا خالدا غير قابل للمحو في أي عصر من العصور أن النفس مقابلة بالنفس تؤخذ بها، وتكون بدلا، النفس مأخوذة بالنفس أو أن النفس عنها فالباء هنا للمقابلة كمقابلة بين الثمن والبيع، فكما أن المقابلة تكون في البيوع تكون في النفوس إذا اعتدت وتصير نفس الجاني كأنها شيء من الأشياء وهو الذي أهانها.
وقوله تعالى : النفس بالنفس يبين أن النفس بعمومها من غير تخصيص مقابلة بالنفس بعمومها من غير تخصيص، فالعبرة بالتساوي في الإنسانية، وفي النفس الآدمية، فلا تفاضل بين نفس غني وفقير، ولا نفس أمير وخفير، فالنفس بالنفس إن كان اعتداء، ونفس المرأة كنفس الرجل على سواء، ولا التفات لقول الشذاذ الذين قالوا : إن نفس المرأة دون نفس الرجل، وبمثل هؤلاء الشذاذ كان يقول بعض الطوائف من اليهود، كما أخبر ابن عباس رضي الله عنه، وكان ذلك النص الكريم للرد عليهم، وبيان الحق الذي جاءت به التوراة التي أنزلت على موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة و أتم التسليم.
وإن نفس الحر كنفس العبد بمقتضى ظاهر هذا النص الكريم، لأن كليهما يشترك في وصف الآدمية، وبذلك جاء الحديث النبوي الكريم :"من جوع عبده جوعناه، ومن قتله قتلناه"١ فإن هذا الحديث صريح في المساواة بين نفس الحر ونفس العبد، ولو كان القاتل له مالكه الذي يملكه.
وإن هذا غير رأي جمهور الفقهاء إذ أنهم ينظرون إلى مالية العبد، ولا ينظرون إلى آدميته، وأما الذين قرروا أن السيد يقتل في نظير العبد، وأن العبيد يقتص لهم من الأحرار بمقدار ما أجرموا، فإنهم نظروا إلى آدميته والمساواة في النفس الإنسانية من غير نظر إلى كونه مملوكا أو مالكا، ومن غير نظر إلى كونه رقيقا أو حرا.
ولنا أن نقرر أن المساواة في الدماء بين الأحرار والعبيد هي الأمر الذي يتناسب مع مقاصد الإسلام إذ إن مصادر الإسلام وموارده تقرر منع ظلم العباد الذين كتب عليهم الرق، ولا شك أن أبلغ الظلم أن يقتلوا، والنبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة أوصى بالرحمة بهم، ولا شك أنه من الرحمة بهم احترام نفوسهم وصيانة دمائهم، وأن الرق أمر عارض بالنسبة للعبيد ولا يصح أن يكون الأمر العارض مزيلا للمعنى الإنساني الأصيل بل هو ثابت فيهم لا يزول.
والنصوص العامة المتضافرة مثبتة وجوب القصاص في الأنفس من غير تفرقة بين نفس حر ونفس عبد، فالله تعالى يقول : ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب... ( ١٧٩ ) ( البقرة ). ويقول تعالى : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى...( ١٧٨ ) ( البقرة ).
والمقابلات التي جاءت في الآية من بعد، إنما هي لبيان اتحاد الأنفس ولنفي ما كان عليه أهل الجاهلية من تفرقة بين النفوس، بدليل تضافر الفقهاء على قتل الأنثى بالرجل، والرجل بالأنثى خلافا لبعض الشذاذ.
وقد قال عليه الصلاة والسلام :"المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم"٢. ومن التكافؤ في الدماء أن يقتل الحر بالعبد المسلم، وقال عليه الصلاة والسلام :"دماؤكم وأموالكم حرام عليكم"٣، ولم يفرق بين عبد وحر، ولو كان الحر لا يقتل بالعبد، يكون ذلك في معنى إباحة دماء بعض المسلمين، وفوق ذلك ما ورد بالنص على أن المالك يقتل إذا قتل مملوكه الذي رويناه من قبل، والذي قرر أن العبد إذا قتله مولاه قتل به.
وقد استدل جمهور الفقهاء بما روي من أن علي بن أبي طالب قال :"إن رجلا قتل عبده عمدا متعمدا فجلده النبي صلى الله عليه وسلم مائة ونفاه عاما ومحا سهمه من المسلمين"٤، وما روي من أن عمر رضي الله عنه قال : لو لم أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :"لا يقاد المملوك من مولاه، ولا الوالد من ولده"٥. لأقدته منك يخاطب من قتل عبده.
وما روي من أبى بكر وعمر قالا : من قتل عبده جلد مائة، وحرم من سهم المسلمين. هذا ما استدل به جمهور الفقهاء، ونرى أنه لا يقف أمام عموم النص وأمام النص الخاص الذي رويناه، وفوق ذلك هو وارد في قتل المالك المملوك، وقد عارضه النص الصريح.
ولهذا نرى الأخذ بالمبدأ الإسلامي العام الذي يقرر حقوق العبيد على مواليهم ويحدد حقوق الموالي وليس منها إباحة دمائهم.
والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن هذا النص فيه القصاص بين الأطراف، فالعين تفقأ بالعين، أي أنها في مقابل العين أيضا، ف "الباء" هنا باء المقابلة التي تدل على أن شيئا في مقابل شيء، وهي تدخل على المتروك، فالنفس المجني عليها تؤخذ بها النفس الجانية، والعين المجني عليها تؤخذ بها عين الجاني، وكذلك أنف الجاني تؤخذ بالجدع في نظير أنف المجني عليه، وكذلك أذن الجاني تصلم٦، في نظير أذن المجني عليه، وكذلك سنه بسنه، ومثل هذه في الحكم اليد باليد والرجل بالرجل والإصبع بالإصبع وهكذا كل طرف من الأطراف يمكن أن يجري فيه القصاص، فالقصاص ليس مقصورا على ما اشتمل عليه النص من العين والأنف والأذن والسن، بل يشمل هذا وغيره مما يمكن أن يتحقق فيه معنى القصاص، وقد أيدت ذلك النصوص القرآنية، فالله تعالى يقول :... فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم...( ١٩٤ ) ( البقرة ).
وهنا يجري القول في تساوي الأعضاء بالنسبة للأشخاص، فأشخاص النساء كالرجال والأحرار كالعبيد على النحو الذي بينا من حيث قاعدة المساواة المطلقة في الإنسانية المعتدى عليها، وقد خالفنا بذلك النظر جمهور الفقهاء بالنسبة للمساواة بين الأحرار والعبيد، ووافقنا جمهورهم في المساواة بين الذكر والأنثى، وقررنا أن الذين خالفوا في ذلك من الشذاذ، كالطائفة التي قالت ذلك من بني إسرائيل، بل جاء النص الكريم الذي نتصدى الآن للكلام في معناه يرد الحق إلى نصابه، ويبين أصل الحكم في التوراة التي نزلت على موسى.
وجمهور الفقهاء على أن من يجري القصاص فيه في النفس يجري القصاص في الأطراف بالنسبة له، فأطراف المرأة كأطراف الرجل على سواء بينهما فإذا فقأ عين امرأة تفقأ عينه، وإذا كسر ثنية امرأ ة تكسر ثنيته.
وقد خالف فقهاء الحنيفة جمهور الفقهاء، فلم يقرروا المساواة بين أطراف الرجل وأطراف المرأة وبنو ذلك على قياس عندهم قرروا فيه، أنه يلاحظ في الأطراف المنافع، ولا شك عندهم في منافع الأطراف عند النساء دون منافع الأطراف عند الرجال.
وفي الحق أن رأي الحنفية بنوه على قياس في معان ارتأوها، فقالوا : إن العبرة في الأطراف بمنافعها، ومنافع أطراف المرأة دون منافع أطراف الرجل، وإن الرأي لا يقف أمام عموم النصوص والنصوص العامة لا تخصص بالقياس، على أن القياس في ذاته غير سليم، لأن من المنافع المؤكدة ألا يكون الجسم شائها، والتشويه أضر بالمرأة من الرجل.
وقبل أن نترك الكلام في القصاص في النفس والأطراف لا بد أن نشير إلى أمور ثلاثة :
أولها : أن جمهور الفقهاء قرروا أن الجماعة تقتل بالواحد، وقد يقول قائل : إن ذلك لا يتفق مع معنى القصاص الذي أساسه التساوي فلا تساوي بين الواحد والجماعة، وبذلك قال بعض الفقهاء، والحق ما عليه الجمهور، لأن كل واحد من الجماعة قد اشترك في القتل، فيسمى قاتلا وقد أزهق نفسا فتؤخذ بها نفسه، ولأنه اعتدى على حق الحياة، فكان الجزاء أن تؤخذ حياته، ولأن من قتل نفسا فكأنما قتل الناس جميعا، وقد قال سبحانه : أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا... ( ٣٢ ) ( المائدة ).
وإن القصاص شرع للزجر العام، ولحفظ الدماء، ولو أعفي الشركاء في القتل من القصاص لكان من السهل على من يريد قتل إنسان أن يشرك معه غيره، فلا يكون قصاص من أحدهما، ولذلك شدد عمر وغيره من الصحابة في ضرورة قتل الجماعة بالواحد، وقد روي أن رجلا قتله جماعة بصنعاء فاقتص عمر رضي الله عنه منهم، وقال رضي الله عنه :"لو تمالأ أهل صنعاء عليه لقتلتهم به".
ثانيها : أن المساواة في الأطراف من حيث السلامة لازمة للقصاص، فلا تقطع السليمة في مقابل المعيبة ولكن لا يشترط التساوي من حيث القصر والطول، ولا من حيث الضعف والقوة، مادام كلتا الجارحتين سليمة.
وحيث يتعذر التساوي لا يكون القصاص بل تكون الدية، ويجب مع ذلك التعزير شفاء لغيظ المجني عليه.
ثالثها : أن بعض الذين لا يدركون الأمور على وجهها يقولون : إن القصاص في الأطراف يكثر المشوهين ويقلل المنافع ويضعف إنتاج الأمة، والجواب عن ذلك أن القصاص في الأطراف من شأنه أن يقلل التشويه ويكثر النفع، لأنه إذا علم المعتدي أنه سيقطع طرفه إن قطع طرف غيره، وأنه ستفقأ عينه إذا فقأ عين غيره، فإنه سيكف عن الاعتداء وبذلك تصان الجوارح جميعا، فلا يكون إيذاء، وبذلك يقلل عدد المشوهين ولا يكثر، ويكثر النفع ولا يقل.
والجروح قصاص والجروح غير قطع الأطراف المتميزة التي يجري فيها التماثل مثل الشجاج بكل مراتبها، ومثل الجروح في أجزاء الجسم، وفصل بعضها عن بعض، والقصاص المقاصة أي العقوبة بما يساوي الجريمة وما أنزلت من أذى، والمعنى هنا أن الجروح ذات قصاص أي يجري فيها القصاص بالمساواة بين الجريمة وعقوبتها على أن تكون من جنسها وفي الموضع الذي كان فيه الجرح فإن تعذر التساوي فإنه تكون دية الجريمة ويعبر الفقهاء عن العويض بالأرش.
والتعزير مع هذا ثابت شفاء لغيظ المجني عليه، ومنعا لإهدار الدماء بالثارات وتبادل الأذى.
والقصاص يجري في الجروح إذا أمكنت المساواة على ما أسلفنا، ومهما يكن فالقصاص متى أمكن ولو بالتقارب أولى، فإن المساواة من كل الوجوه غير ممكنة فإن الأجسام متفاوتة وآثار الجروح فيها متفاوتة والأذى فيها غير ثابت المقدار حتى يقاس بالأشبار.
ولا شك أن القصاص الممكن، والتعزير مع الأرش٧، إن لم يكن هو أقرب إلى العدالة وإلى حقن الدماء، واحترام الأنفس والمحافظة على الكرامة الإنسانية والمساواة هو الأردع للجناة فإن من يعرف أنه ستشج رأسه إذا شج رأس غيره لا يقدم على الأذى، بل يتردد، وأنه كلما كانت العقوبة من جنس الجريمة كان ذلك مع عدالته أشد زجرا وتأثيرا وإنه من يوم أن تغيرت العقوبة عن الجريمة استهين بالأنفس والأطراف وأهدرت الدماء.
وهناك أمر اختلف فيه الفقهاء : أيجري القصاص في الضرب كما يجري في الجروح ؟ الظاهر ذلك من روح الشريعة وما تومئ إليه نصوصها وهو ما كان يسير عليه السلف الصالح رضي الله عنهم، وقد قاله بعض الحنابلة

١ سبق تخريجه..
٢ سبق تخريجه..
٣ جزء من حديث رواه البخاري: العلم- رب مبلغ (٦٧)، ومسلم: القسامة والمحاربين تغليظ تحريم الدماء والأموال والأعراض (١٦٧٩)..
٤ عن علي وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "قتل رجل عبده عمدا متعمدا فجلده رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة ونفاه سنة ومحا سهمه من المسلمين"، رواه ابن ماجه: الديات- هل يقتل الحر بالعبد (٢٦٦٤). والسهم النصيب من الغنيمة.
.

٥ روى أحمد: مسند العشرة (٩٩) عن مجاهد قال: حذف رجل ابنا له بسيف فقتله، فرفع إلى عمر فقال: لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يقاد الوالد من ولده لقتلتك قبل أن تبرح".
.

٦ أي تقطع أذنه، والصلم الاستئصال والأصلم: مقطوع الأذن وهي صلماء، والجمع: صلم (الوسيط- صلم).
.

٧ الأرش: ما يؤخذ عوضا عن كسر أو جرح. روى البخاري: الصلح- الصلح في الدية (٢٧٠٣) عن أنس أن الربيع وهي ابنة النضر كسرت ثنية جارية وطلبوا العفو فأبوا فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم بالقصاص فقال أنس بن النضر: أتكسر ثنية الربيع يا رسول الله لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها، فقال: "يا أنس كتاب الله القصاص"، فرضي القوم وعفوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره" زاد الفزاري عن حميد عن أنس: فرضي القوم وقبلوا الأرش..

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو زهرة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير